الحديث وعلومه · الدعاء

دعاء اللهم صب عليه الرزق صباً

سؤال وجواب رقم ٢٤٬٢٦٥

السؤال

هل هذا الدعاء صحيح ، بحثت عنه فلم أجده ، الدعاء هو : ( اللهم صب عليه الرزق صبا صبا ، ولا تجعل عيشه كداً ولا نكداً )

دعوة قالها الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه ، فما رؤي أكثر منه مالاً ، ولا أرغد عيشاً ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً : نص الحديث

الدعاء الوارد في السنة خاطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم إحدى الصحابيات ، وليس أحد الصحابة ، وقال فيه : " اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا ، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا " ولم يقل : اللهم صب عليه الرزق صباً .

وهو جزء من حديث طويل في قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم جليبيباً إحدى فتيات المسلمين ، ونصه :

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه :

( أَنَّ جُلَيْبِيبًا كَانَ امْرَأً يَدْخُلُ عَلَى النِّسَاءِ ، يَمُرُّ بِهِنَّ وَيُلَاعِبُهُنَّ ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ جُلَيْبِيبٌ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ لَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ .

قَالَ : وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا كَانَ لِأَحَدِهِمْ أَيِّمٌ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حَاجَةٌ أَمْ لَا .

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ : زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ . فَقَالَ : نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ وَنُعْمَ عَيْنِي . قَالَ: إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي . قَالَ : فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : لِجُلَيْبِيبٍ : قَالَ : فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا . فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ : رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ . فَقَالَتْ : نِعِمَّ وَنُعْمَةُ عَيْنِي . فَقَالَ : إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ . فَقَالَتْ : أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية ؟ لَا . لَعَمْرُ اللهِ لَا نُزَوَّجُهُ .

فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ : مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا فَقَالَتْ : أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ ؟ ادْفَعُونِي ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي .

فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : شَأْنَكَ بِهَا . فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا قَالَ :

فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ لَهُ ، قَالَ : فَلَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا : نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا . قَالَ : انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا . قَالَ : فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى . قَالَ : فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ! هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ . فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ : قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا .

ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ .

قَالَ ثَابِتٌ : فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا .

وَحَدَّثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا قَالَ : هَلْ تَعْلَمْ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : اللهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا ، وَلَا تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا .

قَالَ : فَمَا كَانَ فِي الْأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا .

قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : مَا حَدَّثَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ !

ثانيا : معاني المفردات

( أن جليبيباً كان امرأ يدخل على النساء ، يمر بهن ويلاعبهن ) ، المقصود بالملاعبة هنا المحادثة ، وهو لفظ الراوي عفان بن مسلم ، أما الرواة الآخرون للسياق المطول فقالوا : ( كان يدخل على النساء ، ويتحدث إليهن )، ولعل ذلك وقع قبل نزول آية الحجاب .

( أيِّم ) : توفي عنها زوجها .

( نُعْم عين ) : أي : نكرمك بها كرامة ، ونسر عينك بها مسرة .

( إنيه ) : قال ابن الأثير :

" قد اختلف في ضبط هذه اللفظة اختلافاً كثيراً، فرويت بكسر الهمزة والنون وسكون الياء وبعدها هاء ، ومعناها أنها لفظة تستعملها العرب في الإنكار ، يقول القائل : جاء زيد ، فتقول أنت : أزيدنيه ، وأزيد إنيه ، كأنك استبعدت مجيئه " انتهى.

" النهاية " (1/78-79)

( هذا مني وأنا منه ) معناه : " المبالغة في اتحاد طريقتهما ، واتفاقهما في طاعة الله تعالى "

كما قال النووي في " شرح مسلم " (16/26)

ثالثاً : تخريج الحديث

ورد هذا الحديث من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن كنانة بن نعيم العدوي ، عن أبي برزة الأسلمي به .

ولكن اختلف الرواة عن حماد بن سلمة في رواية قصة الصحابي جليبيب رضي الله عنه على وجهين :

الوجه الأول : رواية القصة باختصار ، ليس فيها قصة الخطبة والتزويج ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الفتاة ، وإنما فيها خبر استشهاده في المعركة وقول النبي صلى الله عليه وسلم له : ( هو مني وأنا منه )

رواه هكذا مختصرا أربعة من الرواة :

إسحاق بن عمر بن سليط ، كما في " صحيح مسلم " (رقم/2472).

وسليمان بن داود أبو داود الطيالسي، كما في مسنده (2/238)

وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي ، كما في " سنن النسائي الكبرى " (8/65)

وأحمد بن إسحاق الحضرمي ، كما في " مسند الروياني " (رقم/1300)

الوجه الثاني : رواية القصة كاملة بسياقها المذكور أعلاه مع النص على الدعاء " اللهم صب عليها الخير صباً ، ولا تجعل عيشها كداً كداً "

رواه هكذا مطولاً :

أ- عفان بن مسلم ، كما في " مسند الإمام أحمد " (33/28)، و" شعب الإيمان " للبيهقي (3/114)، ورواه البغوي في " شرح السنة " (14/196) من طريق عفان بالسياق المطول ولكن ليس فيه نص الدعاء.

ب- وإبراهيم بن الحجاج السامي ، كما في " الآحاد والمثاني " لابن أبي عاصم (4/327)، ومن طريقه ابن حبان في " صحيحه " (9/342)

ج- وأبو النعمان محمد بن الفضل عارم ، كما في " شعب الإيمان " للبيهقي (3/114)

وللقصة طريق آخر عن معمر ، يرويها عبد الرزاق في " المصنف " (6/155) ، ومن طريق عبد الرزاق آخرون من المحدثين كالإمام أحمد ، وعبد بن حميد ، والبزار ، وابن حبان ، ولكن قال عبد الرزاق في هذه الطريق : أخبرنا معمر ، عن ثابت البناني ، عن أنس .

فجعله من حديث أنس بن مالك مباشرة ، وليس من حديث أبي برزة الأسلمي ، وسياق الحديث قريب من سياقه المطول المثبت في بداية الجواب ، ولكن ليس فيه نص الدعاء الوارد في السؤال .

رابعا : حكم العلماء على الحديث

أما السياق المختصر فهو في صحيح مسلم ، ولم يضعفه أحد من أهل العلم .

وأما السياق المطول – وفيه الدعاء الوارد في السؤال – فقد صححه كثير من أهل العلم أيضاً:

قال ابن عبد البر رحمه الله :

" هذا حديث صحيح " انتهى من " الاستيعاب " (1/273)

وقال البغوي رحمه الله :

" هذا حديث صحيح ، أخرجه مسلم عن إسحاق بن عمر بن سليط ، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد " انتهى من " شرح السنة " (14/198)

وقال البيهقي رحمه الله :

" أخرج مسلم آخر هذا الحديث ، عن إسحاق بن عمر بن سليط ، عن حماد ، والجميع صحيح على شرطه " انتهى من " شعب الإيمان " (3/114)

وقال الهيثمي رحمه الله :

" هو في الصحيح خالياً عن الخطبة والتزويج ، رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح " انتهى من " مجمع الزوائد " (9/368)

وأما رواية معمر بن راشد عن ثابت عن أنس ، فقد حكم عليها أهل العلم بأنها خطأ ووهم من معمر .

قال أبو زرعة :

" عن أبي برزة أصح " انتهى باختصار من " العلل " (رقم/1012)

وقال أبو نعيم رحمه الله :

" رواه ديلم بن غزوان ، عن ثابت ، عن أنس ، وهو وهم " انتهى من " معرفة الصحابة " (2/636)

وقال الدارقطني رحمه الله :

" الصحيح عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن كنانة بن نعيم ، عن أبي برزة " انتهى من " العلل " (12/38)

وقال ابن رجب رحمه الله :

" ومما أنكر عليه – يعني على معمر بن راشد - أنه حدث عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث قصة جليبيب ، وأخطأ في إسناده ، إنما رواه ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا رواه حماد بن سلمة عن ثابت " انتهى من " شرح علل الترمذي " (2/804) تحقيق د. همام سعيد.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" رواه معمر عن ثابت ، عن أنس ، وتابعه ديلم بن غزوان ، عن ثابت ، عن أنس .

ورواية حماد بن سلمة أصح " انتهى.

" المطالب العالية " (5/75)، رواية ديلم بن غزوان في مسند أبي يعلى (6/89) بلفظ مختصر جداً فيه .

والخلاصة أن أهل العلم يصححون الحديث والدعاء ، فمن دعا به اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ورجاء أن يكتب الله له الرزق الحلال الواسع : رجي له القبول إن شاء الله تعالى .

والله أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·الدعاء

سؤال رقم ٢٤٬٢٦٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الدعاء ‹