الحديث وعلومه · مصطلح الحديث

نبذة عن كتاب النسائي " السنن الصغرى " .

سؤال وجواب رقم ٢٨٬٩٣٦

السؤال

سألت هذا السؤال عدة مرات ولكن لم أتحصل على أي إجابة : هل كل الأحاديث الواردة في السنن الصغرى للنسائي صحيحة .

وما صحة هذا الحديث:

روى مسلم بن أبي بكر قال : اعتاد أبي أن يقول دبر كل صلاة : ( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ومن عذاب القبر ) سنن النسائي الصغرى ، كتاب الاستعاذة بعد الصلاة ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

النسائي هو الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي ، المتوفى سنة 303هـ .

قال عنه الدارقطني رحمه الله :

" مقدَّمٌ على كل من يُذكر بهذا العلم من أهل عصره " انتهى من " سير أعلام النبلاء " (14/131)

وقال عنه الذهبي رحمه الله :

" لم يكن أحد على رأس الثلاثمائة أحفظ من النسائي ، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ، ومن أبي داود ، ومن أبي عيسى الترمذي ، وهو جار في مضمار البخاري وأبي زرعة " انتهى من " سير أعلام النبلاء " (14/133)

ثانيا :

اشتهر بين المحققين من علماء الحديث أن سنن النسائي الصغرى " المجتبى " أصح كتب السنن الأربعة ، وأكثرها حديثا صحيحا ، وأقلها حديثا ضعيفا ، وذلك لسببين :

السبب الأول : حرص الإمام النسائي على الانتقاء في كتابه ، وذلك بناء على طلب أمير الرملة أن يفرد له الحديث الصحيح من " السنن الكبرى "، كما قال الإمام السيوطي رحمه الله:

" رأيت بخط الحافظ أبي الفضل العراقي أن النسائي لما صنف الكبرى أهداها لأمير الرملة ، فقال له : كل ما فيها صحيح ؟ فقال : لا ، فقال : ميِّز لي الصحيح من غيره ، فصنف له الصغرى " انتهى من " تدريب الراوي " (1/109)

وقال محمد بن معاوية الأحمر الراوي عن النسائي ما معناه :

" قال النسائي : كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول، إلا أنه لم يبين علته، والمنتخب منه المسمى بالمجتبى صحيح كله " انتهى من " النكت على ابن الصلاح " (1/484)

السبب الثاني : علو كعب النسائي في علم العلل ، وتميزه عن أقرانه ، كما سبق النقل عن الإمام الذهبي .

ثالثا :

ننقل هنا كلام بعض أهل العلم في بيان صحة غالب ما في سنن النسائي الصغرى .

قال أبو الحسن المعافري :

" إذا نظرت إلى ما يخرجه أهل الحديث فما خرجه النسائي أقرب إلى الصحة مما خرجه غيره " انتهى.

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله:

" أقل الكتب بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ، ورجلا مجروحا " انتهى من " النكت على ابن الصلاح " (1/484)

رابعا :

أما الأحاديث الضعيفة في سنن النسائي الصغرى فهي على ثلاثة أقسام :

القسم الأول: أحاديث يضعفها الإمام النسائي نفسه في السنن، فهذه لا ضير فيها، فالإمام يذكرها ليبين ضعفها ويرد على من يحتج بها.

القسم الثاني : أحاديث يضعفها الإمام النسائي في كتبه الأخرى ، ولا ينص على ضعفها في السنن الصغرى ، وهذه أيضا لا ضير فيها ؛ لأن النسائي يذكرها على سبيل النقل عمن يحتج بها ، فعلى القارئ التنبه إلى حالها بالنظر في كتبه الأخرى ، وعدد أحاديث هذا القسم قليل جدا ، منها حديث قَالَ عُمَرُ لِصُهَيْبٍ : مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ خَاتَمَ الذَّهَبِ ؟ قَالَ : قَدْ رَآهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فَلَمْ يَعِبْهُ . قَالَ : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رواه النسائي في " السنن الصغرى " (5163) وسكت عنه ، ولكنه قال عنه في " السنن الكبرى " (8/363): هذا حديث منكر .

القسم الثالث : أحاديث يسكت عنها النسائي ويضعفها المحدثون ، وهي قليلة جدا أيضا ، خاصة وأن بعضها مما اختلف فيه العلماء ، والحق فيه مع النسائي .

يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله :

" قول الحافظ أبي علي بن السكن وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي إنه صحيح : فيه نظر .

وإن له شرطاً في كتاب السنن للنسائي أنه صحيح: فيه نظر.

وإن شرطه في الرجال أشد من شرط مسلم: غير مسلَّم.

فإن فيه رجالاً مجهولون : إما عيناً أو حالاً ، وفيهم المجروح ، وفيه أحاديث ضعيفة، ومعللة ومنكرة ، كما نبهنا عليه في " الأحكام الكبير " " انتهى من " الباعث الحثيث إلى اختصار علوم الحديث " (ص/31)

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله – معلقا على قول ابن الصلاح: أطلق الخطيب والسلفي الصحة على كتاب النسائي -:

"وقد أطلق عليه أيضا اسم الصحة أبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو الحسن الدارقطني ، وابن منده ، وعبد الغني بن سعيد ، وأبو يعلى الخليلي ، وغيرهم ، وأطلق الحاكم اسم الصحة عليه وعلى كتابي أبي داود والترمذي كما سبق ، وقال أبو عبد الله بن مندة : الذين خرجوا الصحيح أربعة : البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، وأشار إلى مثل ذلك أبو علي ابن السكن...- ثم أجاب عن ذلك بعبارة طويلة ، حاصلها : أن مراد هؤلاء العلماء أن معظم ما في السنن صحيح وليس كله – " انتهى باختصار من " النكت على كتاب ابن الصلاح " (1/481-489)

وهكذا نجد العلماء يقررون وجود الضعيف بأعداد يسيرة في سنن النسائي وغيرها من السنن ، ومن أراد التوسع في هذه النقول فليرجع إلى شروح ألفية العراقي عند قوله :

" ومن عليها أطلق الصحيحا *** فقد أتى تساهلا صريحا "

يقول الإمام السخاوي رحمه الله :

" لأن فيها ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من أوصاف الضعيف ، - وقولهم - أن ما كان في الكتب الخمسة مسكوتا عنه ولم يصرح بضعفه أن يكون صحيحا ، ليس هذا الإطلاق صحيحا ، بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود ، ولم نجد لغيرهم فيها كلاما ، ومع ذلك فهي ضعيفة .

وأحسن من هذا قول النووي : " مراد السلفي : أن معظم الكتب الثلاثة يحتج به ، أي : صالح لأن يحتج به ; لئلا يرد على إطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح عند المعارضة ،ويجوز أن يقال: إنه لم يعتبر الضعيف الذي فيها ; لقلته بالنسبة إلى النوعين،وبالجملة فكتاب النسائي أقلها بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ; ولذلك قال ابن رشيد: إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا ، وأحسنها ترصيفا ، وهو جامع بين طريقتي البخاري ومسلم ، مع حظ كبير من بيان العلل " انتهى من " فتح المغيث " (1/114)

خامسا :

وأما الحديث الوارد في السؤال فهو حديث صحيح، نصه كالآتي :

عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ )، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ ، فَقَالَ أَبِي : أَيْ بُنَيَّ ، عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا ؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ.

رواه النسائي في " السنن الصغرى " (رقم/1347) وصححه الألباني في " صحيح النسائي "

والله أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·مصطلح الحديث

سؤال رقم ٢٨٬٩٣٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مصطلح الحديث ‹