الحديث وعلومه · الحدود والتعزيرات

هل ثبت أن عمر استأذن النبي صلى الله عليه في نزع ثنيتي سهيل بن عمرو لئلا يحرض قومه على المسلمين ؟

سؤال وجواب رقم ٥٬٦٣٦

السؤال

ما السبب الذي جعل عمر رضي الله عنه ، يقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يكسر سن الذي يتكلم ضد الإسلام ، والمسمى سهيل بن عمرو حتى يقلل من التأثر بأحاديثه ، فرد النبي صلى الله عليه و سلم : " لو أني فعلت ذلك فإن الله سوف يشوهني يوم القيامة وأنا رسوله " ، على الرغم من أنه في نفس الوقت فإن الشريعة الإسلامية تعاقب السارق بقطع يده ؛ فكنت أسأل : كيف يتوافق الأمران ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

روى ابن إسحاق في السيرة - كما في "سيرة ابن هشام" (1/ 649) ومن طريقه الطبري في "تاريخه" (2/465) : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَيَدْلَعُ لِسَانَهُ، فَلَا يَقُومُ عَلَيْكَ خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا أُمَثِّلُ بِهِ فَيُمَثِّلُ اللَّهُ بِي ، وَإِنْ كُنْتُ نَبِيًّا) .

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ( إنَّهُ عَسَى أَنْ يَقُومَ مَقَامًا لَا تَذُمُّهُ ) .

وهذا إسناد ضعيف ، محمد بن عمرو بن عطاء من صغار التابعين ، وقال ابن كثير رحمه الله : " وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ ، بَلْ مُعْضَلٌ " انتهى من "البداية والنهاية" (5/202) .

ورواه الْوَاقِدِيُّ فِي "كِتَابِ الْمَغَازِي" - كما في "نصب الراية" (3/ 120) :

حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْهَيْثَمِ ، مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: لَمَّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْزِعْ ثَنِيَّتَهُ يُدْلَعُ لِسَانُهُ، فَلَا يقوم عليك خطيباً أَبَدًا . وذكر الحديث بنحوه .

وهذا إسناد واه جدا ، فمع إعضاله ، فإن راويه الواقدي - وهو محمد بن عمر بن واقد - متهم بالكذب ، قال الإمام أحمد : هو كذاب ، يقلب الأحاديث .

وقال ابن معين: ليس بثقة.

وقال - مرة : لا يكتب حديثه .

وقال البخاري وأبو حاتم: متروك .

وقال أبو حاتم أيضا والنسائي: يضع الحديث .

وقال ابن عدى: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه .

وقال ابن المديني : الواقدي يضع الحديث .

ينظر: "ميزان الاعتدال" (3 /663) .

وقال النسائي : " الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة : إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة والواقدي ببغداد ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد بالشام" انتهى من "تهذيب التهذيب" (9 /163) .

ورواه الحاكم في "المستدرك" (5228) من طريق سُفْيَان، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَلَا يَقُومُ خَطِيبًا فِي قَوْمِهِ أَبَدًا.

فَقَالَ: (دَعْهُ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسُرُّكَ يَوْمًا) .

قَالَ سُفْيَانُ: فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرَ أَهْلُ مَكَّةَ، فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَهَهُ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَاللَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ .

وهذا مرسل أيضا ، الحسن بن محمد هو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من صغار التابعين .

فهذا الخبر لا يصح .

ثانيا :

لا علاقة بين هذا الخبر وبين حد السرقة الذي شرعه الله عز وجل ردعاً للظالمين ، وتنكيلاً بالمفسدين ، وطهرةً للمذنبين ، وحمايةً لأموال الناس .

فيقال : على فرض صحة الخبر ، فإن عمر رضي الله عنه إنما أراد تعزير سهيل بن عمرو وتأديبه ، وكان قد أسره المسلمون ، لأنه كان يؤلب الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز أن تنزع ثنيتيه ، فإن فِعْل ذلك من التمثيل به ، والتمثيل لا يجوز في مثل ذلك ، وبين له أنه لو فعل به ذلك لمثل الله به يوم القيامة ؛ لأن الجزاء من جنس العمل ، ولا بد من العدل في العقاب ، قال تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) النحل/ 126 ، ولكن يُستأنى به فلعل الله أن يتوب عليه .

وقد أسلم سهيل بن عمرو رضي الله عنه فعلا بعد ذلك وحسن إسلامه .

انظر : "الإصابة" (3/177-178) .

وروى الإمام أحمد (5674) عن ابن عمر قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( اللهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا، اللهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللهُمَّ الْعَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ).

قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) آل عمران/ 128 قَالَ: فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ .

وصححه محققو المسند .

وأما حد السرقة فهذا حد من حدود الله ، شرعه الله لحكم جليلة ، ولا مدخل فيه للقياس ، فلا يقال مثلا : كما قطع يد السارق ، ينبغي أن يقطع عضو الزاني ، أو لسان القاذف والساب ، أو نحو ذلك ؛ فمثل هذا الباب : هو شرع مقدر ، لا مدخل للقياس ولا للتنظير فيه ، إنما فيه التسليم لأمر الله وشرعه ؛ وقد قال الله تعالى : (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/65 ، وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) الأحزاب/36 .

راجع إجابة السؤال رقم (118687) والسؤال رقم (14238).

والله أعلم .

الباب: الحديث وعلومه·الحدود والتعزيرات

سؤال رقم ٥٬٦٣٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء