الحديث وعلومه · مصطلح الحديث

هل في البخاري ومسلم أحاديث ضعيفة ؟

سؤال وجواب رقم ٨٬٤٠٥

السؤال

هل كل أحاديث صحيح البخاري ومسلم صحيحة ؟ سمعت بأن هناك أحاديث ضعيفة فيهما ، ما هي بعض الأمثلة ؟ أرجو من فضيلتك أن توضح لي هذه المشكلة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد اتفق أهل العلم على أن الصحيحين أصح كتابين بعد كتاب الله تعالى ، ولهما من المنزلة الرفيعة ، والمكانة العالية ، في قلوب المسلمين ، خاصهم وعامهم ، عالمهم وجاهلهم ، ما هو معلوم .

كما اتفق جمهورهم على أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم ، من حيث الصناعة الحديثية .

قال أبو عمرو بن الصلاح :

" وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز "

"مقدمة ابن الصلاح" (ص10)

قال النووي : " باتفاق العلماء "

"النكت على مقدمة ابن الصلاح" (ص163)

وقال الحافظ في "مقدمة الفتح" (ص8) :

" اقتضى كلام ابن الصلاح أن العلماء متفقون على القول بأفضلية البخاري في الصحة على كتاب مسلم ، إلا ما حكاه عن أبي على النيسابوري : ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم . وعن بعض شيوخ المغاربة : أن كتاب مسلم أفضل من كتاب البخاري ، من غير تعرض للصحة " انتهى بتصرف يسير .

وعلى ذلك ، فلا بد أن تبقى هذه المنزلة لهما من الإجلال والإعظام والتقدير كما هي في قلوب الناس ، ولا يجوز بحال السعي وراء التشكيك ، أو إثارة الشبه بأحاديثهما .

فإن هذه المراجع الأساسية ذات الثوابت ، والتي عليها اعتماد أهل العلم في معرفة الأحكام الشرعية ، لا يجوز الطعن فيها ، ولا المساس بها ، بما يخدش مصداقيتها في قلوب الناس ، عالمهم وجاهلهم .

وإنما يتكلم عن هذه المسائل كبار أهل الاختصاص من المحدثين والحفاظ ، وليس لغيرهم الخوض فيها بما يزعزع الثوابت ، ويشكك في الأصول ، ويثير الفتن .

هذا من ناحية العموم والإجمال .

أما من ناحية التحرير والتفصيل :

فما اتفق عليه الشيخان لا سبيل إلى القول بضعف شيء منه ، لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول .

قال شيخ الإسلام :

" لا يتفقان على حديث إلا ويكون صحيحا لا ريب فيه ، قد اتفق أهل العلم على صحته " انتهى .

"مجموع الفتاوى"(18/20)

وما عدا ذلك ، فقد تكلم على بعض منه بعض الحفاظ ، وغالب ما في البخاري منه سالم من التضعيف عند التحقيق .

وما عدا ما تُكُلم فيه ، فقد وقع اتفاق الأمة على صحته .

قال أبو عمرو بن الصلاح :

" ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته ، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول ، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق ، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره ، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن " انتهى . "مقدمة ابن الصلاح" (ص10) .

ففي صحيح مسلم خاصة ، جملة من الأحاديث ، تكلم عليها بعض العلماء ، بالتضعيف والإعلال ، منهم أبو الحسن الدارقطني ، وأبو علي النيسابوري ، وأبو الفضل بن عمار ، وأبو علي الغساني ، وأبو الحسين العطار ، وأبو مسعود الدشقي وأبو عبد الله الذهبي .

وفي صحيح البخاري بعض ذلك ، إلا أنه قليل جدا ، وقد يسلم هذا القليل أيضا .

انظر : "كتاب الإلزامات والتتبع" لأبي الحسن الدارقطني ، "ميزان الاعتدال" (4/39-40) ، "مقدمة الفتح" (344) ، "شرح مسلم للنووي" (1/27) ، "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (1/142) (2/471-475) (5/218) .

قال ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم له :

" ما أخذ عليهما - يعني على البخاري ومسلم - وقدح فيه معتمد من الحفاظ فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول " انتهى .

قال الحافظ :

" وهو احتراز حسن . واختلف كلام الشيخ محي الدين في هذه المواضع ؛ فقال في مقدمة شرح مسلم ما نصه : " قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلا فيها بشرطهما ونزلت عن درجة ما التزماه ، وقد ألف الدارقطني في ذلك ، ولأبي مسعود الدمشقي أيضا عليهما استدراك ، ولأبي علي الغساني في جزء العلل من التقييد استدراك عليهما . وقد أجيب عن ذلك أو أكثره "

وقال في مقدمة شرح البخاري : " قد استدرك الدارقطني على البخاري ومسلم أحاديث فطعن في بعضها ، وذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا تغتر بذلك " .

قال الحافظ :

" وسيظهر من سياقها والبحث فيها على التفصيل أنها ليست كلها كذلك ، وقوله في شرح مسلم : " وقد أجيب عن ذلك أو أكثره " هو الصواب " انتهى ."مقدمة الفتح" (ص344).

وقال شيخ الإسلام :

" ومما قد يسمى صحيحا : ما يصححه بعض علماء الحديث وآخرون يخالفونهم في تصحيحه فيقولون : هو ضعيف ليس بصحيح ، مثل ألفاظ رواها مسلم في صحيحه ، ونازعه في صحتها غيره من أهل العلم ، إما مثله أو دونه أو فوقه ، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل ، مثل ما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف ثلاث ركوعات وأربع ركوعات . انفرد بذلك عن البخاري ، فإن هذا ضعفه حذاق أهل العلم وقالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات ابنه إبراهيم .

ومثله حديث مسلم : ( إن الله خلق التربة يوم السبت ، وخلق الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة )

فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم ، مثل : يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما . وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار .

وطائفة اعتبرت صحته مثل أبى بكر ابن الأنبارى ، وأبى الفرج ابن الجوزى وغيرهما . والبيهقى وغيره وافقوا الذين ضعفوه .

وفى البخاري نفسه ثلاثة أحاديث نازعه بعض الناس في صحتها .

والبخاري أحذق وأخبر بالفن من مسلم ، ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري ، ويقول بعض أهل الحديث إنها ضعيفة . ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها ، كمثل صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع ، وقد يكون الصواب مع مسلم ، وهذا أكثر " .

انتهى مختصرا . مجموع الفتاوى (18/17-20)

وقال أيضا :

" جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه ، بخلاف مسلم بن الحجاج ، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها ، وكان الصواب فيها مع من نازعه " انتهى .

"مجموع الفتاوى" (1/256)

وانظر : "التاريخ الكبير" (1/413) ، "شرح مسلم للنووي" (16/63) ، "جلاء الأفهام" (248) ، "إرواء الغليل" (3/127) ، "الضعيفة" (2/427).

وقال د. الشريف حاتم بن عارف العوني ، عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى :

" نص العلماء على أن أحاديث الصحيحين كلها مقبولة ، إلا أحاديث يسيرة انتقدها بعض النقاد الكبار ، الذين بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق في علم الحديث ، وأن ما سوى تلك الأحاديث اليسيرة ، فهي متلقاة بالقبول عند الأمة جميعها .

وبناء على ذلك : فإن الحديث الذي يضعفه الشيخ الألباني في صحيح البخاري له حالتان : الأولى : أن يكون ذلك الحديث الذي ضعفه الألباني قد سبقه إلى تضعيفه إمام مجتهد متقدم ، فهذا قد يكون حكم الشيخ الألباني فيه صواباً ، وقد يكون خطأ ، وأن الصواب مع البخاري .

الثانية : أن يكون الحديث الذي ضعفه الألباني لم يسبق إلى تضعيفه ، فهذا ما لا يقبل من الشيخ رحمه الله ؛ لأنه عارض اتفاق الأمة على قبول ذلك الحديث . والله أعلم "

انتهى بتصرف يسير .

والذي نريد التأكيد عليه حقيقة هو الانكفاف عن أمثال هذه المسائل ، التي لا يحسن الخوض فيها إلا أكابر علماء الحديث ، ولا بد أن يكون الأصل هو ما عليه عمل الناس قديما وحديثا ، من تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول ، وعدم المنازعة في شيء منها ، إلا شيئا انتقده الأكابر ، ونص غير واحد منهم عليه ، وهذا شيء نادر الحصول ، ولا يحسن تتبعه والسؤال عنه ، إنما يعرفه الباحث المتخصص ، إذا صادفه أثناء بحثه .

وللصحيحين هيبة في قلوب كبار الحفاظ تمنع مما قد تتوجه الصناعة الحديثية إلى إعلال شيء منهما أو تضعيفه .

وانظر : "فتح الباري" (11/341) "جامع العلوم والحكم" (358) "السلسلة الصحيحة" (2/384)

وعلى ذلك : فليس من الحكمة إيراد بعض تلك الأحاديث التي تُكُلم فيها مما في الصحيحين ، مراعاة للأصل المتقدم ذكره .

والله تعالى أعلم .

راجع السؤال رقم : (20153)

الباب: الحديث وعلومه·مصطلح الحديث

سؤال رقم ٨٬٤٠٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب مصطلح الحديث ‹