العلم والدعوة · شروح الأحاديث

شبهة تثار حول حديث يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب

سؤال وجواب رقم ٨٬٧٠٥

السؤال

سأل رجل نصراني امرأة مسلمة عن سبب تشبيه الإسلام المرأة بالكلاب ، واقتبس لها حديث قطع المرأة لصلاة الرجل إذا مرت من أمامه ، والحديث موجود في صحيح مسلم . لذا أرجو منكم - وبشكل عاجل - توضيح اللبس الحاصل حول هذا الحديث ، ووضع

الجواب

بالتفصيل على موقعكم حتى تتمكن المسلمات من قراءته .

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

يمكننا أن نجيب هذا المعترض أو صاحب الشبهة من خلال تذكيره بأمور أساسية لا بد من مراعاتها في فهم هذا الموضوع والتدقيق فيه :

أولا :

ليس ثمة شيء في الوجود إلا وبينه وبين الأشياء الأخرى وجه شبه ، ولو في بعض المعاني المطلقة ، فالإنسان يشبه الجماد في كون كل منهما موجودا مخلوقا ، ويشبه الحيوان في أوجه كثيرة ، فكل منهما كائن حي يأكل ويشرب ويحيا ويموت ، بل يُعَرِّفُ المناطِقَة الإنسان بأنه : حيوان ناطق .

وكذلك بين الإنسان والنبات أوجه شبه كثيرة من جهة حياة كل منهما ، وإثماره ، وحاجته للغذاء ، ونحو ذلك .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة ولو من بعض الوجوه البعيدة ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود " انتهى من "بيان تلبيس الجهمية" (7/569) .

ولا يعرف عن العقلاء والمفكرين أن أحدا عد كل أوجه الشبه السابقة عيبا في الإنسان يستوجب الذم والقدح فيه ؛ فهي أوجه شبه إما محمودة ، وإما أنها خلقية لا توصف بمدح ولا ذم .

ثانيا :

التشبيه في اللغة والمنطق يشتمل على أربعة أركان : المشبَّه ، والمشبَّه به ، ووجه الشبه ، وأداة التشبيه .

وإذا طلبنا الحكم على تشبيه معين هل نعده ذما أو مدحا ، فإن من الخلل الاقتصار في النظر على ( المشبَّه به ) ، بل لا بد من النظر في ( وجه الشبه ) أيضا .

وقد ورد عن بعض الصحابة تشبيه فعل نفسه بفعل الدابة ، كما قال عمار بن ياسر رضي الله عنه : " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ " رواه البخاري (347) ، ومسلم (368) .

ولم يفهم أحد من الناس أنه يقصد تشبيه نفسه بالدابة من كل وجه ، تشبيها مذموما لا قدر الله ، إذ لا تحتمل لغة العرب ذلك أبدا .

إذن فلا بد من فهم اللغة العربية التي هي لغة القرآن والسنة ، قبل الخوض في هذه الشبهات الساقطة ، التي تدل على جهل تام بالأسلوب العربي . ولا بد من التدقيق في وجه الشبه قبل الاتهام بأن التشبيه ذم للمرأة مطلقا أو قدح لجنس النساء .

ثالثا :

من نظر في الحديث المقصود في سؤال السائل ، وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ) رواه مسلم (511)، علم أن ( وجه الشبه ) المقصود ليس شيئا يتعلق بالصفات السيئة لكل من الحمار والكلب ، أو أن المرأة في درجة هذه الدواب والعياذ بالله ، فهذا من ساقط الظن وتافه القول ، وعائشة رضي الله عنها لم تقصد ذلك مطلقا عندما سمعت هذا الحديث فقالت : ( شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلاَبِ ) رواه البخاري (514)!!!

وإنما ( وجه الشبه ) المراد هنا هو : مجرد الاشتراك في فعل معين ، يتعلق بالصلاة ؛ وهو إخراج المصلي عن خشوعه واتصاله بالله سبحانه وتعالى ، وعائشة رضي الله عنها لا توافق على أن مرور المرأة يخرج الصلاة عن هيئتها الخاشعة لله سبحانه ، وخالفها في ذلك كثير من الصحابة الكرام .

وينبغي أن نتنبه إلى أن أصل المرور بين يدي المصلي ، وتأثر صلاة المصلي بمن يمر من أمامه ، كائنا ما كان المار ، رجلا أو امرأة ، إنسانا أو حيوانا هذا كله ممنوع من حيث الأصل ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في منع الجميع من هذا الفعل المذموم : ( لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ) قَالَ أَبُو النَّضْرِ : لاَ أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً " رواه البخاري ( 510 ) .

بل روى البخاري (487) ، ومسلم (505) : " أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كان فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى ، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ ، فَقَالَ : مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ ، يَا أَبَا سَعِيدٍ ؟

قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) .

قال النووي رحمه الله :

" قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مُرُورِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ الرُّجُوعِ الشَّيْطَانُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ وَقَبُولِ السُّنَّةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الْقَرِينُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ( فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينُ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى من "شرح مسلم" (4/167) .

ومن الواضح هنا : أن هذا الحديث عام في كل من أراد أن يجتاز بين يدي المصلي ، وأن قصة أبي سعيد هذه : لا مدخل للنساء فيها البتة !!

رابعا :

إذا كان المرور بين يدي المصلي ممنوعا كله ، سواء في ذلك الرجل أو المرأة ، وإذا كان ذلك يؤثر أيضا في صلاته ؛ فقد ذهب بعض أهل العلم في تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، إلى أنه ليس المراد به إبطال الصلاة ، وإلزام إعادتها، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها .

قال القرطبي رحمه الله :

" ذلك أن المرأة تفتن ، والحمار ينهق ، والكلب يروع ، فيتشوش المتفكر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد ، فلما كانت هذه الأمور آيلة إلى القطع ، جعلها قاطعة " .

انتهى من " المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم " (2/109) .

وقال ابن رجب رحمه الله ، بعد ما ذكر نحوا من هذا التأويل :

" وأقرب من هذا التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله ، وهو في غاية القرب منه والخلوة به ، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة ، والقرب الخاص ؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان ، وكونه وليجة في هذه الحال ، فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب ؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي : أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس .

فلهذا المعنى - والله اعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي:

المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان ، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء .

والكلب الأسود: شيطان ، كما نص عليه الحديث.

وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل ، لأنه يرى الشيطان .

فلهذا أمر - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالدنو من السترة ، خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته ، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها ، والله أعلم ؛ وإنما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة ، كعمر وابن مسعود ، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي ، وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدفعه وبمقاتلته ، وقال: ( إنما هو شيطان ) ، وفي رواية : أن معه القرين ؛ لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص : أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله اعلم. " .

انتهى من "فتح الباري" لابن رجب (4/135) .

خامسا :

ليس من الإنصاف ولا من العدل في شيء : أن يعمد الباحث ، أيا ما كان دينه ، ومذهبه ، إلى نص منفرد ، مشتبه ، يحتمل من الدلالات ، ما لا علاقة له بموضوع نظره وبحثه ، ثم يجعله طعنا في دين كامل متكامل التشريعات والآداب ، كدين الإسلام ، متعاميا عن عشرات النصوص والأصول التي تكرم المرأة في ذلك الدين ، بما لم يكرمها غيره من الأديان ولا الشرائع ولا القوانين.

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَال ).

رواه الترمذي (113) ، وصححه الألباني في "صحيح ابي داود " (234 ) .

قال الخطابي: " وقوله النساء شقائق الرجال ؛ أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع ، فكأنهن شققن من الرجال ...

وفيه من الفقه ... أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها " انتهى من " معالم السنن " ( 1 / 79 ) .

واستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الأصل أن ما يجب للذكور يجب للإناث ، وما يجوز للذكور يجوز للإناث ولا يفرق بينهما إلا بنص .

ولهذا القرآن يخاطب المرأة كما يخاطب الرجل والنصوص على هذا كثيرة .

كقوله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل /97 .

وكقوله تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) الأحزاب/35.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (70042) ، ورقم : (40405) ، ورقم : (132959) .

والله أعلم .

الباب: العلم والدعوة·شروح الأحاديث

سؤال رقم ٨٬٧٠٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب شروح الأحاديث ‹