الفقه وأصوله · ما تجب فيه الزكاة

هل في المستغلات زكاة ؟

سؤال وجواب رقم ١٣٬٠٥٥

السؤال

عندي عقار أعددته للإيجار ، فكيف أخرج زكاته ، هل أزكي قيمة العقار أم الأجرة فقط ؟ ، ومتى أزكيها ، عند قبض الأجرة ، أم بعد حولان الحول ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

الأشياء التي أعدها الإنسان للتأجير والاستفادة من أجرتها يقال لها : " المُسْتَغَلَّات " ؛ لأنها تدر على صاحبها غلةً ودخلاً .

قال في "تاج العروس" (30/121): " اسْتَغلَّ المُسْتَغَلاَّتِ : أخذَ غَلَّتَها".

فالمستغلات : يقصد بها كل ما هو معد للإيجار ، كالعقارات والسيارات والحافلات والطائرات والسفن التي تنقل الركاب أو البضائع .... وغير ذلك .

والفرق بين " المستغلات" وبين " عروض التجارة" : أن عروض التجارة هي الأشياء التي يتخذها الإنسان ليبيع أعيانها ، أما المستغلات فهو لا يقصد بيع العين ، وإنما يقصد الاستفادة من ريعها .

ثانياً :

الذي عليه عامة العلماء أن أعيان "المستغلات" لا زكاة فيها ، فلا زكاة على العقارات والسيارات والمصانع التي يؤجرها أصحابها. وإيجاب الزكاة فيها قول محدَث ، قال به بعض العلماء المتأخرين .

قال الشوكاني عن زكاة المستغلات : " هذه مسألةٌ لا سمع بها أهل القرن الأول الذين هم خير القرون ، ولا القرن الذي يليه ، ثم الذي يليه ، وإنما هي من الحوادث والمسائل التي لم يَسمع بها أهل المذاهب الإسلامية على اختلاف أقوالهم وتباعد أقطارهم ، ولا توجد عليها أثارة من علم لا من كتاب ولا سنة ولا قياس " انتهى من "السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار" (2/27).

ويدل على عدم وجوب الزكاة في أعيان المستغلات :

1-أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدد الأموال التي تجب فيها الزكاة ، فلم يجعل منها ما يُستغل أو ما يُؤَجَّر من العقارات والدواب والآلات ونحوها ، ولو كانت الزكاة واجبة فيها لبينها الرسول صلى الله عليه وسلم .

2- أن فقهاء المسلمين في مختلف الأعصار، وشتى الأقطار، لم يقولوا بوجوب الزكاة في هذه المستغلات .

قال الشيخ عبد الله البسام رحمه الله تعالى : " فمسألة المستغلات هي مسألة قديمة وليست جديدة ، هي موجودة في صدر الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد أصحابه وفي الصدر الأول ، فلم يحدث فيها تشريع جديد ، وإنما بقيت على الأصل فيها [وهو عدم وجوب الزكاة] .

وكونها تضخمت وكثرت غلاتها ، وهذا أعتقد لا يغير من التشريع شيئًا ، التشريع لا يزال باقيًا ؛ لأن التشريع يقع على الكثير والقليل". انتهى من "مجلة مجمع الفقه الإسلامي" (2/126).

وقد سئل الإمام مالك : "عن الرجل تكون له سفينة اشتراها يكريها [أي : يؤجرها] إلى مصر وإلى الأندلس، هل يقِّومُها في كل سنة ، ويخرج زكاة قيمتها؟.

فقال: لا يكون عليه أن يقومها[يعني : لا زكاة فيها] .

قال محمد بن رشد: لو اشتراها للتجارة لقوَّمها ، وإنما لم يقومها من أجل أنه اشتراها للكراء".

انتهى من "البيان والتحصيل" (2/404).

وقال الإمام الشافعي : " كُلُّ مَالٍ مَا كَانَ ، لَيْسَ بِمَاشِيَةٍ وَلَا حَرْثٍ وَلَا ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ ، يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، أَوْ يَسْتَغْنِي عَنْهُ ، أَوْ يَسْتَغِلُّ مَالَهُ غَلَّةً مِنْهُ ، أَوْ يَدَّخِرُهُ وَلَا يُرِيدُ بِشَيْءٍ مِنْهُ التِّجَارَةَ : فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِقِيمَةٍ " انتهى من " الأم" (2/50).

وقال ابن مفلح : " وَلَا زَكَاةَ ... فِي قِيمَةِ مَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ ، مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِمَا ، وفاقا للأئمة الثلاثة : أبي حنيفة ومالك والشافعي" انتهى من " الفروع " (4/205).

ثالثاُ :

أما الغلة (الأجرة) المأخوذة من المستغلات : فالزكاة فيها واجبة ، بلا خلاف بين العلماء ، إذا كانت مالاً زكوياً ، كالنقود .

ولكن اختلفوا متى يزكي هذه الغلة ؟ هل يزكيها عند قبضها ، أم بعد حولان الحول عليها ؟ والصحيح في هذا : أنه لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول ، فيخرج زكاتها ربع العشر ، إن بلغت نصابا .

قَالَ الإمام مَالِكٌ : " الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي إِجَارَةِ الْعَبِيدِ وَخَرَاجِهِمْ ، وَكِرَاءِ الْمَسَاكنِ ، وَكِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ : أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ ، قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُهُ صَاحِبُهُ " انتهى من "الموطأ" (1/247).

وقال الإمام الشافعي : " وَالْعُرُوضُ الَّتِي لَمْ تُشْتَرَ لِلتِّجَارَةِ مِنْ الْأَمْوَالِ : لَيْسَ فِيهَا زَكَاةٌ بِأَنْفُسِهَا، فَمَنْ كَانَتْ لَهُ دُورٌ أَوْ حَمَّامَاتٌ لِغَلَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، أَوْ ثِيَابٌ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ ، أَوْ رَقِيقٌ كَثُرَ أَوْ قَلَّ : فَلَا زَكَاةَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ لَا زَكَاةَ فِي غَلَّاتِهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فِي يَدَيْ مَالِكِهَا " .

انتهى من " الأم " (2/50).

قال ابن عبد البر: " هَوَ إِجْمَاعٌ مِنْ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَالْحَدِيثُ فيه مأثور عن علي وابن عُمَرَ : أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ... وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ جَمَاعَةِ العلماء ، إلا ما جاء عن ابن عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ .... وَلَمْ يُخَرِّجْ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهِ ، وَلَا الْتَفَتَ إِلَيْهِ". الاستذكار (3/159).

وقال ابن قدامة : " وَمِنْ أَجَّرَ دَارَهُ ، فَقَبَضَ كِرَاهَا : فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ ، حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ . وَعَنْ أَحْمَدَ : أَنَّهُ يُزَكِّيه إذَا اسْتَفَادَهُ .

وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ).

"المغني" (4/247) .

وقال الشيخ ابن باز رحمه الله :

" أما إن كان العقار معدا للإجارة : فإن الزكاة لا تجب في أصله ، وإنما تجب في الأجرة إذا بلغت النصاب ، وحال عليها الحول" انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ ابن باز " (14/167) .

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : "العقار المعد للإجارة ، ليس فيه زكاة ، ، لكن تجب الزكاة في أجرته إذا تم عليها الحول من العقد وهي عندك ، فإن أنفقتها قبل تمام الحول فلا زكاة فيها؛ لأن الزكاة لا تجب في المال حتى يتم عليه الحول" .

انتهى من " فتاوى الشيخ ابن عثيمين " (18/209) .

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عمن اشترى عقارا ليسكن فيه ويؤجر الباقي ، فهل عليه زكاة ؟

فأجابوا :

"تجب الزكاة في الأجرة إذا حال عليها الحول ، وإن أنفقت قبل تمام الحول فلا شيء عليك.

أما العمارة نفسها فليس فيها زكاة ، لكونها لم تعد للبيع ، وإنما أعدت للسكن والإسكان" .

انتهى من " فتاوى اللجنة الدائمة " (9/ 343) .

وفي "قرارات مجمع الفقه الإسلامي" :

أولًا : أنه لم يؤثر نص واضح يوجب الزكاة في العقارات والأراضي المأجورة .

ثانيًا: أنه لم يؤثر نص كذلك يوجب الزكاة الفورية في غلة العقارات والأراضي المأجورة غير الزراعية .

ولذلك قرر:

أولًا: أن الزكاة غير واجبة في أصول العقارات والأراضي المأجورة .

ثانيًا: أن الزكاة تجب في الغلة وهي ربع العشر بعد دوران الحول من يوم القبض مع اعتبار توفر شروط الزكاة ، وانتفاء الموانع" انتهى من " قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي" (ص: 2).

رابعا :

حول الأجرة يبدأ حسابه من أول العقد ، وليس من قبض الأجرة ، وقد سبق بيان ذلك في السؤال رقم : (204754).

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·ما تجب فيه الزكاة

سؤال رقم ١٣٬٠٥٥

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب ما تجب فيه الزكاة ‹