الفقه وأصوله · الولاء والبراء

حكم استخدام الكنيسة كصالة لإقامة بعض الأنشطة للأطفال المسلمين

سؤال وجواب رقم ١٨٬٨٩٦

السؤال

ما حكم استخدام الكنيسة كصالة لإقامة بعض أنشطة الأطفال المسلمين ؟ ليس ثمة صلبان ولا تماثيل، فقط مجرد صور وجوه على السقف.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا :

يكره للمسلم أن يدخل الكنيسة وذلك لما فيها من صور وتماثيل .

قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " إِنَّا لاَ نَدْخُلُ كَنَائِسَكُمْ مِنْ أَجْلِ التَّمَاثِيلِ الَّتِي فِيهَا الصُّوَرُ " رواه البخاري تعليقا بصيغة الجزم ، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :

" وفي رواية الأصيلي ( والصور ) بزيادة الواو العاطفة .

وهذا الأثر وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال : " لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعاما وكان من عظمائهم ، وقال : أحب أن تجيئني وتكرمني ، فقال له عمر : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها ؛ يعني التماثيل " .

انتهى من " فتح الباري " (1 / 531 - 532) .

وينظر أيضا : "فتح الباري" لابن رجب (3/240) .

قال ابن رجب رحمه الله تعالى :

" وكره مالك الصلاة في البِيَع والكنائس ؛ لنجاستها من أقدامهم ، ولما فيها من الصور ، وقال : لا يُنْزَل بها إلا من ضرورة . ذكره صاحب التهذيب .

ورخص أكثر أصحابنا – أي الحنابلة - في دخول ما ليس فيه صور منها ، والصلاة فيها . وكرهه بعضهم ، منهم : ابن عقيل . ومنهم من حكى في الكراهة عن أحمد روايتين ...

وصرح كثير من أصحابنا بتحريم الدخول إلى بيت فيه صور على جدرانه ، إن كان لا يقدر على إزالتها ، وسواء كان حماما أو غيره ، منهم : ابن بطة ، والقاضي أبو يعلى .

وذكر صاحب المغني أن ظاهر كلام أحمد أنه مكروه غير محرم ، وحكاه - أيضا - عن مالك " انتهى من " فتح الباري " ( 3 / 240 - 241 ) .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

" والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة ، فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة ، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك " .

انتهى من " الفتاوى الكبرى " (5 / 327) .

وقال ابن المنذر رحمه الله تعالى :

" الصلاة في الكنائس جائز لدخولها في جملة قوله: ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) ، ويكره الدخول لموضع فيه صور من الكنائس وغيرها " انتهى من " الأوسط " (2 / 194) .

أما ما روي عن بعض السلف أنهم صلوا في الكنائس ، فلعلها كانت خالية من الصور .

قال ابن رجب رحمه الله تعالى :

" وحكى ابن المنذر وغيره : الرخصة فيها – أي الصلاة في الكنيسة - عن طائفة من العلماء ، منهم : أبو موسى ، والحسن ، والشعبي ، والنخعي ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، واختاره ابن المنذر.

وأكثر المنقول عن السلف في ذلك قضايا أعيان لا عموم لها ، فيمكن حملها على ما لم يكن فيه صور " انتهى من " فتح الباري " (3 / 241) .

أما الأثر الذي استدل به ابن قدامة رحمه الله ؛ حيث قال :

" روى ابن عائذ في " فتوح الشام " : ( أن النصارى صنعوا لعمر رضي الله عنه ، حين قدم الشام ، طعاما ، فدعوه ، فقال : أين هو ؟ قالوا : في الكنيسة ، فأبى أن يذهب ، وقال لعلي : امض بالناس ، فليتغدوا . فذهب علي رضي الله عنه بالناس ، فدخل الكنيسة ، وتغدى هو والمسلمون ، وجعل علي ينظر إلى الصور، وقال : ما على أمير المؤمنين لو دخل فأكل ) وهذا اتفاق منهم على إباحة دخولها وفيها الصور " انتهى من " المغني " (10 / 203) .

وقد ذكر هذا الأثر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه " إغاثة اللهفان " (1 / 290) فعلق عليه محقق الكتاب بما يفيد ضعف الأثر فقال :

" عزاه ابن قدامة لابن عائذ في فتوح الشام ، ورواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (42 / 6) من طريق ابن عائذ عن الوليد قال : حدثنا عبد الله بن زياد بن سمعان وهشام بن سعد يسمع أن نافعا حدثه ... وذكر القصة بنحوها ، وعبد الله بن زياد متروك متّهم بالكذب " انتهى .

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى :

" واعلم أن في قول عمر دليلا واضحا على خطأ ما يفعله بعض المشايخ من الحضور في الكنائس الممتلئة بالصور والتماثيل ، استجابةً منهم لرغبة بعض المسؤولين أو غيرهم " .

انتهى من " آداب الزفاف " (ص 165) .

ثانيا :

ومما يؤكد المنع : أنّ دخول الأطفال إلى الكنائس في حالتكم لا حاجة شرعية إليه أصلا ، وفي الوقت نفسه قد يجر مخاطر عظيمة على دينهم ؛ لأن هذا السن في العادة والغالب لم يكتمل فيه ثبات معاني الدين في القلوب ؛ فتعويدهم دخول الكنائس يؤدي إلى ضعف عقيدة الولاء والبراء في قلوبهم ، ويؤدي إلى عدم بغض الكفر وأماكنه ، وعدم الإنكار بالقلب ، كما هو مشاهد فيمن يكثر من دخول أماكن المنكرات ، فإن كثرة المخالطة تؤثر في الإنسان ولابد .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :

" وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين ، هم أقل كفراً من غيرهم ، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى ، هم أقل إيماناً من غيرهم ممن جرد الإسلام " انتهى من " اقتضاء الصراط المستقيم " (1 / 448) .

فالحاصل ؛ أنه يكره دخول الكنائس التي توجد فيها التصاوير والتماثيل ، وتشتد الكراهة وقد تصل إلى التحريم إن كان هذا الدخول يجر مفاسد ولا يحقق مصالح معتبرة شرعا .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·الولاء والبراء

سؤال رقم ١٨٬٨٩٦

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الولاء والبراء ‹