الفقه وأصوله · الحدود والتعزيرات

هل له أن يأخذ مالاً مقابل ضربه وإهانته أمام الناس ؟

سؤال وجواب رقم ٢٤٬٢٠٨

السؤال

أتاني مال نتيجة ضربي بالحذاء أمام جمع كبير من الناس ، وأقر هذا المال مجلس عرفي ، فما حكم هذا المال ؟ وهل لي أن أتصدق منه على الفقراء والمحتاجين ؟ وهل يحق لي تصريف أمور معيشتي من هذا المبلغ ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

لا حرج من التحاكم إلى تلك المجالس العرفية التي يعملها الناس لفض المنازعات والخصومات ، بشرط أن يكون الحاكم فيها من أهل العلم بالشرع حتى يحكم بين الناس بما أنزل الله ، لا بالأهواء والعادات والتقاليد التي كثيرا ما تكون مخالفة لحكم الله تعالى ، فإن حكموا بما يوافق حكم الله فهو المطلوب ، وإن حكموا بما يخالف حكم الله فلا عبرة بحكمهم ، وهو حكم باطل ، يجب رده ، قال تعالى : (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة/50 .

ثانياً :

اختلف العلماء في حكم " اللطمة " و "اللكمة" ونحوها ، هل توجب القصاص أم التعزير ؟ فذهب جمهورهم إلى أنها توجب التعزير وليس فيها القصاص ، والذي عليه الصحابة رضي الله عنهم ، والمحققون من أهل العلم أنها توجب القصاص .

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتاب الديات ، تحت بَاب " إِذَا أَصَابَ قَوْمٌ مِنْ رَجُلٍ هَلْ يُعَاقِبُ أَوْ يَقْتَصُّ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ ؟ " :

"وَأَقَادَ (أي : اقتص) أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٌّ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ مِنْ لَطْمَةٍ ، وَأَقَادَ عُمَرُ مِنْ ضَرْبَةٍ بِالدِّرَّةِ ، وَأَقَادَ عَلِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ ، وَاقْتَصَّ شُرَيْحٌ مِنْ سَوْطٍ وَخُمُوشٍ (أي : جروح)". انتهى

وهذا القول هو الصحيح ، ومن نقل الإجماع على خلافه فما أصاب ، بل لو ادعى أحد إجماع الصحابة على هذا الحكم لم يكن ذلك بعيداً .

قال ابن القيم رحمه الله :

"وقد اختلف الناس في هذه المسألة - وهي القصاص في اللطمة والضربة ونحوها مما لا يمكن للمقتص أن يفعل بخصمه مثل ما فعله به من كل وجه - هل يسوغ القصاص في ذلك ، أو يعدل إلى عقوبته بجنس آخر وهو التعزير ؟ على قولين :

أصحهما : أنه شرع فيه القصاص ، وهو مذهب الخلفاء الراشدين ، ثبت ذلك عنهم ، حكاه عنهم أحمد وأبو إسحاق الجوزجاني في " المترجم " ، ونص عليه الإمام أحمد ، قال شيخنا رحمه الله (أي : ابن تيمية) : وهو قول جمهور السلف .

والقول الثاني : أنه لا يشرع فيه القصاص ، وهو المنقول عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وقول المتأخرين من أصحاب أحمد حتى حكى بعضهم الإجماع على أنه لا قصاص فيه ! وليس كما زعم ، بل حكاية إجماع الصحابة على القصاص أقرب من حكاية الإجماع على منعه ؛ فإنه ثبت عن الخلفاء الراشدين ، ولا يعلم لهم مخالف فيه .

ومأخذ القولين : أن الله تعالى أمر بالعدل في ذلك ، فبقي النظر في أي الأمرين أقرب إلى العدل ؟

فقال المانعون : المماثلة لا تمكن هنا ، فكأن العدل يقتضي العدول إلى جنس آخر ، وهو التعزيز ؛ فإن القصاص لا يكون إلا مع المماثلة ، ولهذا لا يجب في الجرح ، ولا في القطع إلا إذا أمكنت المماثلة ، فإذا تعذرت في القطع والجرح : صرنا إلى الدية ، فكذا في اللطمة ونحوها لما تعذرت صرنا إلى التعزير .

وقال المجوزون للقصاص : القصاص في ذلك أقرب إلى الكتاب والسنة والقياس والعدل من التعزير، أما الكتاب فإن الله سبحانه قال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) وقال : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) ، ومعلوم أن المماثلة مطلوبة بحسب الإمكان ، واللطمة أشد مماثلة للطمة ، والضربة للضربة من التعزيز لها ؛ فإنه (أي : التعزير) ضرب في غير الموضع ، غير مماثل لا في الصورة ولا في المحل ولا في القدر ، فأنتم فررتم من تفاوت لا يمكن الاحتراز منه بين اللطمتين ، فصرتم إلى أعظم تفاوتا منه بلا نص ولا قياس .

قالوا : وأما السنة [فذكر ابن القيم رحمه الله عدة أحاديث فيها إثبات القصاص في مثل ذلك] ثم قال : ولو لم يكن في الباب إلا سنة الخلفاء الراشدين لكفى بها دليلا وحجة .

" حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود " ( 7 / 336 ، 337 ) ، وانظر " الفتاوى الكبرى " ( 3 / 402 ) .

ثالثاً :

وإذا ثبت لك القصاص في الضربة التي وجهها لك الطرف الآخر : فإن لك أن تعفو عنه بالمجان إن رأيته ندم واستغفر واعتذر وصلح حاله ، ولك أن تقتص منه بمثل ما فعل بك دون تعدٍّ ولا ظلم ، ولك أن تعفو عن حقك في القصاص مقابل عوضٍ مادي ، يحكم لك به القاضي الشرعي .

وإذا اقتصصتَ منه بمثل ما فعل بك فلا يجوز لك أن تأخذ مالاً مقابل الإهانة ؛ لأنك أخذت حقك مماثلة ، كما أن العوض الذي يُحكم لك به إنما هو مقابل الضربة لا مقابل الإهانة ؛ لأن الإهانة ضرر معنوي ، وهذا النوع من الضرر لا يجوز أخذ تعويض مالي مقابله ، وعلى هذا عامة العلماء .

وقد جاء في قرار " مجمع الفقه الإسلامي " رقم 109 ( 3 / 12 ) بشأن موضوع " الشرط الجزائي " ما نصه :

"الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي الفعلي ... ولا يشمل الضرر الأدبي أو المعنوي" انتهى .

وقد جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 13 / 40 ) تحت عنوان " التعويض عن الأضرار المعنوية " :

"لم نجد أحداً من الفقهاء عبَّر بـهذا ، وإنما هو تعبير حادث ، ولم نجد في الكتب الفقهية أن أحداً من الفقهاء تكلم عن التعويض المالي في شيء من الأضرار المعنوية" انتهى .

والخلاصة :

أن حقك : القصاص ، أو العفو بالمجان - وهو أفضل إن كان ظهر من ذاك صلاح أو ندم ، أو أخذ عوض عن حقك مقابل الضربة ، وإذا استوفيتَ حقك بالقصاص فلا حق لك بعد ذلك في المال ، أما إذا كنت ستأخذ حقك مالاً فقط ـ وهو الظاهر من سؤالك ، فلا حرج عليك من الانتفاع به لنفسك أو التصدق به .

والله أعلم

الباب: الفقه وأصوله·الحدود والتعزيرات

سؤال رقم ٢٤٬٢٠٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب الحدود والتعزيرات ‹