الفقه وأصوله · أحكام الحرمين

هل يجوز جلب حصى أو تراب من مزدلفة أو من الحرم؟

سؤال وجواب رقم ٢٬٩٢١

السؤال

أديت فريضة الحج العام الماضي ، وعندما كنا في مزدلفة أخذت صخرتين واحتفظت بهم ، إلى الآن ، فهل في هذا شيء ؟ هل يجب عليَّ التخلص منهما ؟ وكيف ؟ هل تعد مزدلفة من الحرم ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولاً :

نسأل الله أن يتقبل حجك ، وأن تكوني من المغفور لهم ذنوبهم ، والذين رجعوا من حجهم بلا ذنب ولا إثم .

ثانياً:

" المزدلفة " من المشاعر ، وهي في حدود الحرم ، وقد سمَّاها الله تعالى في كتابه " المشعر الحرام " فقال : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ البقرة/198 .

قال ابن حزم الأندلسي رحمه الله :

وأما مزدلفة : فهي المشعر الحرام ، وهي من الحرم .

" المحلى " ( 7 / 188 ) .

وقال النووي رحمه الله :

واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم .

" شرح مسلم " ( 8 / 187 ) .

ثالثاً :

لا ينبغي أخذ شيء من آثار مكة أو المدينة ؛ لعدم ثبوت ذلك عن أحد من سلف هذه الأمَّة ؛ لأن ذلك مظنة تعظيم هذه الآثار واعتقاد نفعها ، وهو ما جاءت الشريعة بمحاربته ، وإغلاق طرقه ، نعم ، لو كانت الوصية بإحضار ماء زمزم لكان ذلك جائزاً ؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؛ لأنه أخبرنا أنها ماء مباركة ، وأن فيها شفاء بإذن الله ، وأما ما عداها كترابٍ من عرفة ، أو حصى من مزدلفة ، أو ما يشبه ذلك : فليس لأحد حمله معه إلى بلاده .

وقد اختلف العلماء في حكم إخراج التراب والحجارة من الحرم إلى ثلاثة أقوال : الجواز ، والكراهة ، والتحريم ، وإلى الجواز ذهب الحنفية ، وإلى الكراهة ذهب بعض الشافعية ، والتحريم هو قول جمهور الشافعية ، وهو الذي لا ينبغي القول بغيره ، إذا عُلم أن من يخرجه يريد التبرك به أو تعظيمه . لأن تراب الحرم وحجارته لا يُتبرك بها لا وهي في مكانها في الحرم ، ولا هي خارجة عنه .

والخلاف المذكور بين العلماء إنما هو في مجرد الإخراج من الحرم ، وليس في التبرك بها ، والتعظيم لها .

قال الإمام الشافعي رحمه الله :

"لا خيرَ في أن يُخرج من حجارة الحرم ، ولا ترابه شيء إلى الحل ؛ لأنَّ له حرمة ثبتت بايَنَ بها ما سواها من البلدان ، ولا أرى - والله تعالى أعلم - أن جائزاً لأحد أن يزيله من الموضع الذي باين به البلدان إلى أن يصير كغيره" انتهى .

" الأم " ( 7 / 155 ) .

وقال ابن حزم رحمه الله :

"ولا يخرج شيء من تراب الحرم ولا حجارته إلى الحل ، ... عن عطاء قال : يُكره أن يُخرج من تراب الحرم إلى الحل ، أو يدخل تراب الحل إلى الحرم .

وهو قول ابن أبى ليلى ، وغيره ، ولا بأس بإخراج ماء زمزم ؛ لأن حرمة الحرم إنما هي للأرض ، وترابها ، وحجارتها ، فلا يجوز له إزالة حرمتها ، ولم يأت في الماء تحريم" انتهى.

" المحلى " ( 7 / 262 ، 263 ) .

وسئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله :

يريد أن يحج ، ومحمل عدة وصايا ، يقول : إنه قد طَلب منه مجموعة من الناس أن يأتي لهم بشيء من مكة ، والمدينة ، مثل حجر ، أو ماء ، أو قليل تراب ، أو ما شابه ذلك ، فكيف أصنع ؟ .

فأجاب :

"هذه الوصايا التي أشار إليها ، أن يأتي إلى من أوصوه بتراب ، أو ماء ، أو أحجار من الحرم : لا يلزمه أن يفي بها ، وله أن يردها عليهم ، ولو كانت وصاياهم بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر : لكان ذلك أولى وأجدر .

إذا استبدل هذه الوصايا بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر بما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم : كان ذلك أولى ، وأجدر ، وأحسن" انتهى .

" فتاوى نور على الدرب " .

رابعاً:

من أخذ شيئا من تراب الحرم إلى خارجه فعليه أن يستغفر الله تعالى من فعله أولاً ، ثم عليه أن يرجعه إلى أي بقعة في الحرم إن استطاع ، ولا يجب أن يردَّه بنفسه ، بل لو أعطاه لمن يوثق به ليرده : جاز له ذلك ، فإن لم يستطع هذا ولا ذاك : فيضعها في أي مكان طاهر ، وقد قال تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا البقرة/ 286 .

جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 17 / 195 ) :

"صرح الشافعية بحرمة نقل تراب الحرم ، وأحجاره ، وما عمل من طينه - كالأباريق وغيرها - إلى الحل ، فيجب رده إلى الحرم" انتهى .

وقال الماوردي رحمه الله :

"فإن أخرج من حجارة الحرم ، أو من ترابه شيئاً : فعليه ردُّه إلى موضعه ، وإعادته إلى الحرم" انتهى .

" الحاوي في الفقه الشافعي " ( 4 / 314 ) .

ونقله عنه النووي في " المجموع " ( 7 / 460 ) وأقرَّه .

والله أعلم

الباب: الفقه وأصوله·أحكام الحرمين

سؤال رقم ٢٬٩٢١

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب أحكام الحرمين ‹