الفقه وأصوله · حكم صلاة الجماعة

يتأخر عن الجماعة خشية أن يؤم المصلين

سؤال وجواب رقم ٢٩٬٩١٤

السؤال

أنا شاب ملتزم وأحب الصلاة ، لكني في بعض الأحيان أذهب إلى المسجد متأخرا ؛ لأني أخاف أن أؤم المصلين ، إذا جئت أصلي بهم يكون عندي بعض الخوف ، وخاصة في الصلوات الجهرية ، فهل علي إثم إذا لم أصلِّ بهم ، وإذا تأخرت عن الصلاة ، وهل هناك طرق علاجية لإزالة الخوف مني لكي أتمكن من الصلاة بهم ، برغم أني إذا صليت وحدي لا أخاف ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

المبادرة إلى الجماعة ، والتبكير في الذهاب إلى المساجد من فضائل الأعمال التي يغفل عنها ويقصر فيها كثير من الناس ، والمؤمن حين يذوق طعم الإيمان ، ويستشعر لذة العبادة ، لا يكاد يصبر حتى يسمع النداء ليذهب إلى المسجد ، بل تجده مسارعا مسابقا ، لا يدخل وقت الصلاة إلا وقد اشتاق إليها ، ويصدق عليه وصف النبي صلى الله عليه وسلم لأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، وهو الرجل المعلق قلبه في المساجد .

ولا شك أن التبكير إلى صلاة الجماعة والحرصَ على إدراكِ تكبيرتها الأولى دليلٌ على تعظيم هذه الشعيرة ، وحبها ، والرغبة فيها ، وهو دليل أيضا على صلاح العبد ودينه وتقواه .

قال سفيان الثوري : " مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة " انتهى .

"فتح الباري" لابن رجب (3/533)

وقال إبراهيم التيمي : " إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه " انتهى . "سير أعلام النبلاء" (5/84)

وكان وكيع بن الجراح يقول : " من لم يدرك التكبيرة الأولى فلا ترجُ خيره " انتهى .

رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (3/74) .

بل كان بعض السلف يعدون الذهاب إلى المسجد بعد الأذان تقصيرا ، وأن الفضل هو في الذهاب قبل النداء .

قال سفيان بن عيينة :

" لا تكن مثل عبد السوء ، لا يأتي حتى يُدعَى ، ايت الصلاة قبل النداء " انتهى .

التبصرة لابن الجوزي (131)

ونحن نذكر أنفسنا وإياك هنا ببعض فضائل التبكير إلى صلاة الجماعة والمبادرة إليها :

أولا :

روى ابن المنذر – كما في "الدر المنثور" (2/314) - عن أنس بن مالك رضي الله عنه في تفسير قول الله سبحانه وتعالى : ( سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) الحديد/21 ، أنها التكبيرة الأولى . وذكره بعض المفسرين عن مكحول وسعيد بن جبير من التابعين .

ثانيا :

روى عبد الرزاق في "المصنف" (1/528) من طريقٍ صحيحٍ عن أنس رضي الله عنه قال :

( من لم تفته الركعة الأولى من الصلاة أربعين يوما كتبت له براءتان : براءة من النار ، وبراءة من النفاق ) .

وجاء عن مِيثم ، رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( بلغني أن الملَك يغدو برايته مع أول من يغدو إلى المسجد ، فلا يزال بها معه حتى يرجع يدخل بها منزله ) .

رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (5/183) وصححه ابن حجر في "الإصابة" (6/148) والألباني في "صحيح الترغيب" (1/242) .

ثالثا :

وفي التبكير إلى صلاة الجماعة تحصيل أجر انتظار الصلاة ، والمكث في المسجد ، ودعاء الملائكة ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ - مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ ) رواه البخاري (477) ومسلم (649)

كما فيه تحصيل فضيلة الصلاة في الصف الأول ، وفضيلة إدراك التأمين مع الإمام ، فقد جاء في الحديث الصحيح : ( إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ) رواه البخاري (780) ومسلم (410) .

ومن بكَّر في حضور الجماعة أمكنه الاستفادة من الوقت بين الأذان والإقامة بصلاة السنة الراتبة أو تحية المسجد ، وشغل الوقت بالدعاء بخيري الدنيا والآخرة ، فإن ما بين الأذان والإقامة من مواطن إجابة الدعاء .

رابعا :

وفي هدي السلف الصالح من النماذج التي تبعث الهمة في القلب ، وتبث العزيمة في النفس ، وتدعو كل مقصِّرٍ ومفرِّطٍ إلى الحياء من رب العالمين ، حيث يتسابق إليه العباد والزهاد ، وهو في غفلته ساه عن الأجر والمغنم .

يروي ابن شاهين في كتابه "الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك" (رقم/107) عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال :

( اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حذيفة ، قال رجل منهم : ما يسرني أني فاتتني التكبيرة الأولى مع الإمام وأن لي خمسين من الغنم . وقال الآخر : ما يسرني أنها فاتتني مع الإمام وأن لي مائة من الغنم . وقال الآخر : ما يسرني أنها فاتتني مع الإمام وأن لي ما طلعت عليه الشمس . وقال الآخر : ما يسرني أنها فاتتني مع الإمام وأني صليت من العشاء الآخرة إلى الفجر ) .

وعن أبي حرملة عن ابن المسيب قال : " ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين ، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة " انتهى . السير (4/30) . يعني أنه كان يصلي في الصف الأول .

خامسا :

ويخشى على من يعتاد التأخر عن صلاة الجماعة ، وإهمال فضل التكبيرة الأولى أن يؤخره الله عن الأجر والفضل والخير ، حيث يرضى لنفسه التأخر ، فيكون جزاؤه من جنس عمله .

وقد قال بعض العلماء في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم : ( تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ ، لا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ اللَّه ) رواه مسلم (438) أن المقصود هو من يتأخر عن الصف الأول والتكبيرة الأولى .

وانظر جواب السؤال رقم (34852)

سادسا :

وأظنك أخي السائل قد أدركت – بعد كل ما سبق – خطأ ما ترتكبه من تعمد التأخر عن الجماعة ، وأن الخوف الذي يدفعك لذلك هو من وحي الشيطان ، يريد حرمانك من الأجر والفضل .

ونحن ندرك أن موقف الإمامة موقف فيه من الهيبة والرهبة الشيء العظيم ، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يدفعك إلى التقصير فيه ، فإذا دخلت المسجد ، وكنت أحق من يؤم الموجودين ، فتقدم ولا تتأخر ، فإن الإثم يلحقك إذا تقدَّمَ الناسَ من لا يُتقن قراءة الفاتحة ولا يحسن إقامة أركان الصلاة .

ونطمئنك بأن الخوف الذي تشعر به عند الإمامة هو شعور عارض ، سرعان ما يذهب عنك مع اعتياد الإمامة ، فعليك أن تتحمل المشقة في بداية الطريق ، ثم سيفتح الله لك باب الخير جزاء صبرك وتحملك .

ويمكنك الاستعانة ببعض ما يهون شعور الخوف الذي يصيبك ، فاحرص على الأمور الآتية :

1- التحضير الجيد في مراجعة الآيات التي تريد قراءتها في الصلاة ، فإن ذلك يكسبك من الثقة والقوة ما يدفع عنك الخوف والرهبة .

2- اعتياد الصلاة في البيت بصوت مرتفع ، في قيام الليل وصلاة النافلة الليلية ، ففي ذلك تعويد للنفس على موقف الإمامة والقراءة .

3- إمامة الناس في الصلوات السرية ، فإن اعتياد الوقوف في مكان الإمام يخفف من رهبة تقدم الناس في الجهرية .

4- اسْعَ في إقناع النفس بسهولة الأمر ، وكيف أن بعض صبيان الصحابة كان يتقدم الناس في مسجد قومه ، وأن الأمر لا يعدو قراءة يسيرة سهلة مع خشوع واطمئنان وخضوع لله رب العالمين .

5- ولا تنس سؤال الله تعالى التوفيق إلى الخير ، وتسهيل البر والعمل الصالح .

ونسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والفوز بالنعيم المقيم .

والله أعلم .

الباب: الفقه وأصوله·حكم صلاة الجماعة

سؤال رقم ٢٩٬٩١٤

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب حكم صلاة الجماعة ‹