القرآن وعلومه · تفسير القرآن

لماذا خاطب الله تعالى آدم وحده عندما تاب عليه في قوله عز وجل ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) ؟

سؤال وجواب رقم ٢٦٬٠٣٩

السؤال

لماذا خاطب الله تعالى آدم وحده عندما تاب عليه في الآية رقم/37 من سورة البقرة ، فقال تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ، ولم يقل الله تعالى : ( فتاب عليهما ) أي : آدم وحواء ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اجتهد المفسرون في تلمس وجه الحكمة في إفراد الضمير ( الهاء ) من قوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) البقرة/37 ، فقال عز وجل : ( فتاب عليه )، ولم يقل سبحانه : ( فتاب عليهما )، مع أن كلا من آدم وحواء أكلا من الشجرة .

وبالتأمل والتدبر يتبين للناظر العديد من الأسباب والحكم التي يمكن من خلالها تفسير هذا التساؤل .

أولا :

مَن تأمل سياق جميع الآيات الواردة في قصة آدم عليه السلام وأكله من الشجرة ، يعلم أن الشخصية البارزة المقصودة في تلك القصة هو آدم عليه السلام وليس غيره ، لأنه أبو البشر وأول الأنبياء ، لذلك فأكثر الآيات تتحدث عنه عليه السلام ، وتخاطبه بشخصه ، وتذكره بضمير الغائب المفرد ، وتحكي تفاصيل أحداث قصته ، وتجعله الشخصية المركزية فيها ، وهكذا - ومن ذلك نسبة العصيان إليه وحده كما سيأتي - ، يمكنك أن تقرأ ذلك في سورة البقرة ، والأعراف ، وطه ، وغيرها ، فناسب أن تكون هذه الآية على السياق نفسه .

ثانيا :

كثيرا ما يرد في نصوص الوحي في الكتاب والسنة تغليب استعمال ضمير المذكر ، ويراد به ما يشمل الإناث أيضا ، حتى قال علماء أصول الفقه : إن الأصل في خطاب الذكور بالتكاليف الشرعية أنه يشمل الإناث إلا ما ورد النص بتخصيصه .

بل كثيرا ما تستعمل اللغة العربية ضمير المذكر في السياقات التي تشمل الذكور والإناث .

فالمؤنث في استعمال اللغة العربية والاستعمال الشرعي تابع للمذكر ، ولذلك لا تذكر النساء في كثير من التكاليف والأخبار الشرعية .

ثالثا :

كما يمكننا أن نستأنس من استعمال ضمير المذكر وطي ذكر المؤنث : أن الستر أولى بالمرأة من الذِّكر ، وأن الخطاب الشرعي يدعوها دائما إلى البعد عن حديث الرجال ، خاصة في مقام الخطأ والمعصية ، لذلك طوى القرآن الكريم أيضا التصريح بنسبة المعصية إلى حواء ، واقتصر ذلك على آدم عليه السلام ، وذلك في قوله عز وجل : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى . ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طه/121-122.

ثم إن أساليب اللغة العربية تتسع لهذا السياق القرآني ، كما في قول الشاعر :

رماني بأمر كنت منه ووالدي *** بريئا ومن فوق الطوي رماني .

فقال : ( بريئا ) ولم يقل : ( بريئين )، مع أن المقصود إثبات براءته هو ووالده .

وقد جاء في القرآن الكريم قوله عز وجل : ( وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ) التوبة/62. ولم يقل يرضوهما ، وقال سبحانه : ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) الجمعة/11، ولم يقل انفضوا إليهما، وذلك جريا على الإيجاز والاختصار، ومراعاة للمقصود الأعظم من الأمرين .

وننقل ههنا من كلام المفسرين ما يؤيد أوجه الحِكَم السابقة :

قال الإمام القرطبي رحمه الله :

" إن قيل : لم قال : ( عليه ) ولم يقل : ( عليهما ) وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع ، وقد قال : ( ولا تقربا هذه الشجرة ) البقرة/35، و ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا ) الأعراف/23 ؟

فالجواب :

أن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله : ( اسكن ) خصه بالذكر في التلقي ، فلذلك كملت القصة بذكره وحده .

وأيضا فلأن المرأة حرمة ومستورة ، فأراد الله الستر لها ، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله : ( وعصى آدم ربه فغوى ) طه/121.

وأيضا لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تذكر ، كما لم يذكر فتى موسى مع موسى في قوله : ( ألم أقل لك ) الكهف/75.

وقيل : إنه دل بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها ، إذ أمرهما سواء ، قاله الحسن .

وقيل : إنه مثل قوله تعالى : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) الجمعة/11، أي : التجارة ؛ لأنها كانت مقصود القوم ، فأعاد الضمير عليها ، ولم يقل : ( إليهما ) ، والمعنى متقارب .

وقال الشاعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن فوق الطوي رماني .

وفي التنزيل : ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) التوبة/62، فحذف إيجازا واختصارا " انتهى.

" الجامع لأحكام القرآن " (1/325)

وقال الماوردي رحمه الله :

" فإن قيل : فِلمَ قال : ( فَتَابَ عَلَيْهِ ) ، ولم يقُلْ : ( فتابَ علَيْهِما ) والتوبة قد توجهت إليهما ؟

قيل : عنه جوابان :

أحدهما : لما ذكر آدم وحده بقوله : ( فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ) ، ذكر بعده قبول توبته ، ولم يذكر توبة حوَّاء - وإن كانت مقبولة التوبة - لأنه لم يتقدم ذكرها .

والثاني : أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً ، جاز أن يذكرَ أحدهما ، ويكونَ المعنى لهما ، كما قال تعالى : ( وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا ) الجمعة/11، وكما قال عز وجل : ( وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ) التوبة/62. " انتهى من " النكت والعيون " (1/110)

والله أعلم .

الباب: القرآن وعلومه·تفسير القرآن

سؤال رقم ٢٦٬٠٣٩

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب تفسير القرآن ‹