لما استقر النبي ﷺ بالمدينة، كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وعاهد فيه اليهود وأقرّهم على دينهم وأموالهم. وقد رواه ابن إسحاق في السيرة، وأورده ابن هشام وابن كثير.
جاء في أوله: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس». ثم ذكر أن كل طائفة من المهاجرين والأنصار على ما كانوا عليه من الدية والفداء، يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وجاء فيه: «وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم». وأنه «لا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن». وأن «ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم».
ومما جاء فيه: «وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس»، و«إنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قَوَد به إلا أن يرضى ولي المقتول»، و«إنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه».
وفي شأن اليهود: «وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم». و«إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». و«إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم».
وأعلن الكتاب حرمة المدينة: «وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة»، و«إن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم». وجعل المرجع عند الخلاف إلى الله ورسوله: «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله ﷺ». وأنه «لا تُجار قريش ولا من نصرها»، وأن بينهم النصر «على من دهم يثرب».
وفي ختامه: «وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ».
وفي صحيح مسلم أن أنس بن مالك رضي الله عنه قيل له: بلغك أن النبي ﷺ قال: «لا حلف في الإسلام»؟ فقال: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داري.
