لما انتهت غزوة بدر وجيء بالأسرى كان فيهم العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ. وتذكر كتب السيرة أن رسول الله ﷺ سهر تلك الليلة، فقال له بعض أصحابه: ما لك لا تنام يا رسول الله؟ قال: «سمعت أنين عمي العباس في وثاقه». فقاموا إليه فأطلقوه، فسكت، فنام رسول الله ﷺ.
وروى أنس رضي الله عنه في الصحيح أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه. فقال: «لا والله، لا تذرون منه درهمًا».
ثم قال رسول الله ﷺ للعباس: «يا عباس، افدِ نفسك وابنيْ أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو أخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مال». فقال: يا رسول الله، إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني. فقال رسول الله ﷺ: «الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تدّعي حقًّا فالله يجزيك به، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتدِ نفسك». فقال: ما عندي مال يا رسول الله. فقال له رسول الله ﷺ: «فأين المال الذي دفنتَه أنت وأم الفضل، فقلتَ لها: إن أُصبتُ في سفري هذا فهذا المال لبني الفضل وعبد الله وقُثَم؟».
فقال العباس: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل. ثم قال: فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني، عشرين أوقية من مال كان معي. فقال رسول الله ﷺ: «لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك». ففدى نفسه وابني أخيه وحليفه.
وأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا مما أُخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم﴾. قال العباس رضي الله عنه: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله.
ومن صور هذا العطاء ما رواه أنس رضي الله عنه في البخاري: أُتي النبي ﷺ بمال من البحرين، فجاءه العباس فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا. فقال: «خذ». فحثا في ثوبه ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: مُر بعضهم يرفعه إليّ. قال: «لا». قال: فارفعه أنت عليّ. قال: «لا». فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق، فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام رسول الله ﷺ وثمّ منها درهم.
