لما هاجر المهاجرون من مكة تركوا أموالهم وديارهم، وكان الأنصار قد استقبلوهم وآووهم. وقد قال الله تعالى في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. حين قدم المهاجرون المدينة، آخى رسول الله ﷺ بينهم وبين الأنصار، فكان الواحد من الأنصار أخًا لواحد من المهاجرين. فآخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما. فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسم لك نصف مالي، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلّقها لك، فإذا انقضت عدتها فتزوجها. وكان هذا عرضًا كريمًا يدل على بذل الأنصار وإيثارهم. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلّوه على سوق بني قينقاع. فما انقلب من يومه إلا ومعه فضل من أقِط وسمن. والأقط لبن مجفف يابس. ثم تابع الغدو إلى السوق يومًا بعد يوم، ثم جاء يومًا وبه أثر صُفرة، أي أثر طيب من زعفران، فقال له النبي ﷺ: «مَهْيَم؟» أي: ما أمرك؟ قال: تزوجتُ امرأة من الأنصار. قال: «كم سقتَ إليها؟» قال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ: «بارك الله لك، أولِمْ ولو بشاة». وهكذا بدأ عبد الرحمن بن عوف حياته في المدينة بعمله وتجارته، لا بمال غيره. وأما سعد بن الربيع فقد استشهد بعد ذلك يوم أحد رضي الله عنه. وفي هذه القصة يظهر حسن الإخاء الذي بناه الإسلام: أنصاري يبذل ما يملك، ومهاجر يشكر ولا يأخذ، ويطلب طريق الكسب الحلال بجهده، فيبارك الله له ويفتح له. وروى البخاري أن الأنصار عرضوا على النبي ﷺ أن يقسم النخيل بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، فقال: «لا»، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة. فقال المهاجرون: سمعنا وأطعنا. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم. ومن هؤلاء المهاجرين الذين اشتغلوا بالتجارة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. وكان التوارث بين المهاجرين والأنصار في أول الأمر بسبب هذه المؤاخاة، كما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن المهاجرين حين قدموا المدينة كان يرث المهاجريُّ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نسخت ذلك. وبقيت المؤاخاة نصرةً ومحبةً وإيثارًا. والوليمة سنة عند الزواج، وقد أمر بها النبي ﷺ عبد الرحمن بن عوف ولو كانت بشاة.
‹ كبار الصحابة والسابقون
كبار الصحابة والسابقونموثّق
دلّوني على السوق
عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
العبرة
الكرامة في الكسب بالعمل وترك التعلق بما في أيدي الناس، مع الشكر لمن أحسن العرض وإن لم يقبله.
المصدر: صحيح البخاري — كتاب مناقب الأنصار، باب إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار؛ وكتاب البيوع
الدرجة: صحيح — رواه البخاري
