Islamic MixIslamic Mix
‹ كبار الصحابة والسابقون
كبار الصحابة والسابقونموثّق

جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي

جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه

تروي أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمِنّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئًا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي رجلين جلدين، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأَدَم، فجمعوا له أدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية قبل أن يكلّموا النجاشي فيهم. ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلّما النجاشي، ثم قدّما هداياه، ثم سلاه أن يسلّمهم إليكما قبل أن يكلمهم. فقالا للبطارقة: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، فإذا كلمنا الملك فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا. ثم كلّما النجاشي، فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا. فغضب النجاشي وقال: لا ها الله إذن، لا أسلمهم إليهما حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. فأرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فقالوا لبعضهم: ما تقولون للرجل؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا ﷺ كائنًا في ذلك ما هو كائن. وكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدّقناه وآمنا به واتبعناه، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورجونا ألا نُظلم عندك أيها الملك. قال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم. قال: فاقرأه عليّ. فقرأ عليه صدرًا من سورة مريم ﴿كهيعص﴾. قالت أم سلمة: فبكى والله النجاشي حتى اخضلّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون. ثم غدا عمرو بن العاص فقال: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا. فأرسل إليهم يسألهم، فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود. ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، أي آمنون، من سبّكم غُرم. ثم قال: رُدّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردّ عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

العبرة

الصدق في عرض الحق بأدب وحكمة، والاعتماد على الله، ينتصر على المال والمكر والوشاية.

المصدر: مسند أحمد، حديث أم سلمة في الهجرة إلى الحبشة؛ وسيرة ابن هشام (عن ابن إسحاق)

الدرجة: حسن — رواه أحمد وابن إسحاق