أخبر النبي ﷺ أصحابه عن امرأة قال فيها: «عُذِّبت امرأة في هرّة، سجنَتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار». ثم بيّن ﷺ سبب عذابها فقال: «لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض». والخشاش: هوامّ الأرض وحشراتها، وهي طعام الهرة في الأصل. فهذه المرأة جمعت أمرين: حبست الهرة فمنعتها من الخروج لتطلب رزقها، ثم لم تطعمها ولم تسقها بنفسها. فهلكت الهرة جوعًا وعطشًا وهي محبوسة. ويبين الحديث أن الظلم ليس محصورًا بين الناس، فالحيوان له حق على من حبسه أو ملكه، وأن التقصير في هذا الحق قد يوصل إلى عذاب الله. والحديث ثابت في الصحيحين من رواية ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، وفيه تحذير شديد، فإن دخول النار بسبب هرة يدل على أن إيذاء الحيوان ليس أمرًا صغيرًا. وقد قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت» رواه أبو داود، والمقصود من تلزمه نفقته. ومن حبس حيوانًا في بيته فقد التزم بأن يقوته. وفي مقابل ذلك جاء الأجر العظيم لمن أطعم ماشية أو سقاها: «في كل كبد رطبة أجر». فباب الإحسان إلى الحيوان مفتوح، وباب الإساءة إليه مغلق. ومن فقه هذا الحديث أن الحيوان المملوك لك قد صار في عهدتك، فلا يجوز أن تحبسه وتتركه، فإما أن تطعمه وتسقيه، وإما أن تطلقه ليتدبّر رزقه بنفسه. أما الجمع بين الحبس والمنع فهو الظلم الذي توعّد الله عليه. وتأمل كيف بيّن النبي ﷺ علة العذاب: لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها. فجمعت المرأة بين ترك الواجب وفعل المحظور، فاستحقت الوعيد. وهذا من رحمة الإسلام التي تشمل كل المخلوقات، فهو دين يربط بين العبادة والرحمة، ويجعل معاملة الحيوان من أمور الحساب يوم القيامة. وقد بوّب الإمام مسلم على الأحاديث في هذا الباب: باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي. وروى أبو داود وابن ماجه أن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد. فهذه كلها من الدلائل على أن الحيوان المسالم له حرمة لا يجوز انتهاكها. ومن الدروس العملية لمن يربي حيوانًا في بيته أن يتفقد طعامه وشرابه يوميًّا، وألا يتركه في حال سفره أو انشغاله بلا رعاية، فالحيوان لا يطلب حقه بلسان، لكن الله يطلبه. وفي قصة الرجل الذي سقى الكلب فغفر الله له مقابل ذلك: فالباب واسع في الخير والشر. وفي هذا تهذيب للنفس ورحمة بالمخلوقات.
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق
امرأة دخلت النار في هرّة
امرأة حبست هرة
العبرة
من حبس حيوانًا وجب عليه إطعامه وسقيه، وإلا فهو مظلوم يُسأل عنه.
المصدر: صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم؛ وصحيح مسلم، كتاب السلام، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي (من رواية ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم)
الدرجة: صحيح — متفق عليه
