Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

الحُمَّرة تفرش جناحيها

النبي ﷺ وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه

يروي عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيقول: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق النبي ﷺ لحاجته. فرأينا حُمَّرة، وهي طائر صغير كالعصفور، معها فرخان، فأخذنا فرخيها. فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، أي ترفرف بجناحيها وتقترب وتبتعد في اضطراب وحزن على صغيريها. فجاء النبي ﷺ، فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها». ثم رأى النبي ﷺ قرية نمل قد أحرقناها، فقال: «من حرّق هذه؟» قلنا: نحن. قال: «إنه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا ربّ النار». فأنكر النبي ﷺ أولًا أخذ فرخي الطائر لأن ذلك يُفجع أمهما، وأمر بردّهما. ثم أنكر تحريق النمل لأن التعذيب بالنار لا يجوز إلا لله سبحانه. وفي هذه الحادثة يظهر أن الرحمة بالحيوان تشمل ما يظنه الناس صغيرًا: طائرًا ضعيفًا أو نملة. وقد قال الله تعالى: ﴿وما من دابّة في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالكم﴾. وروى البخاري ومسلم أن نبيًّا من الأنبياء نزل تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأُخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأُحرق بالنار، فأوحى الله إليه: «فهلّا نملةً واحدة؟». أي: كان الواجب أن يعاقب النملة التي آذته وحدها، لا أن يُهلك أمة من الأمم تسبّح الله. والقصة تؤكد ما قاله النبي ﷺ لأصحابه: التعذيب بالنار مختص بالله وحده. وهي تبيّن أن الرحمة بالمخلوقات تتسع حتى تشمل صغارها وضعيفها. وقال النبي ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» متفق عليه. فالنفع الذي يصل إلى الطير والبهائم من عمل المسلم يُحسب له صدقة. ومن ثمرات هذا الحديث أن المسلم يتحرّى في فعله ألا يؤذي مخلوقًا لا حاجة لأذاه، وأن يتدبّر ألم المخلوقات وإن لم تتكلم. وقد بادر النبي ﷺ إلى تصحيح ما فعله الصحابة حين رآه. وقال النبي ﷺ: «من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا رب إن فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة» رواه النسائي. فالعصفور الصغير، وهو من أضعف المخلوقات، له خصومة عند الله مع من قتله بلا فائدة. والنهي هنا ليس عن الانتفاع المباح بالحيوان، فقد أباح الله الصيد والذبح للأكل، وإنما هو عن العبث والتعذيب بلا حاجة. وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه بالمواقف الحية، فلم يعاتبهم على مجرد المعصية، بل بيّن لهم الحكمة ليكون الأمر عن بصيرة: ثم أمر برد الفرخين، فانتهى الموقف وقد تعلّم الصحابة حكمًا شرعيًّا ومعنى أخلاقيًّا.

العبرة

الطير يتألم لفقد صغيره، والرحمة بالمخلوقات الصغيرة من تمام الإيمان، ولا يُعذَّب مخلوق بالنار.

المصدر: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في كراهية حرق العدو بالنار (من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه)

الدرجة: صحيح — رواه أبو داود (صححه الألباني)