الآداب والأخلاق والرقائق · عادات

حكم استعمال كلمات أجنبية في مخاطبة العرب المسلمين

سؤال وجواب رقم ٢٣٬١٧٨

السؤال

ما حكم كلمة ( برب ) ( تيت ) ( ولكم ) ( باي ) في الشريعة الإسلامية ؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

حكم تحدث العربي بالكلمات غير العربية فيه تفصيل :

1- إذا وقع على وجه القلة أو الندرة ، أو استعمل لملاطفة مَن يفهم تلك اللغة غير العربية في بعض الأحيان ، أو استعمل لإفهام من لا يتقن العربية : فلا بأس حينئذ ولا حرج ، لأنه وقع على وجه الحاجة والفائدة ، ولأن الشريعة تعفو عن القليل ، وقد روت أم خالد رضي الله عنها قالت : ( أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ ، قَالَ : مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ . قَالَ : ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ . فَأُتِيَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ : أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرَّتَيْنِ . فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَلَمِ الْخَمِيصَةِ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَيَّ وَيَقُولُ : يَا أُمَّ خَالِدٍ ! هَذَا سَنَا ، وَيَا أُمَّ خَالِدٍ ! هَذَا سَنَا . وَالسَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشِيَّةِ : الْحَسَنُ )

رواه البخاري (رقم/5845) وبوب عليه بقوله : باب من تكلم بالفارسية والرطانة .

2- أما إذا اعتاد المسلم العربي مثل هذه الكلمات غير العربية ، ولم يكن هناك حاجة لاستعمالها ، فذلك مكروه لعدة أوجه :

أ- أنه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فالمسلم تحيته السلام ، وليس كلمة ( باي ) ولا كلمة ( ويلكم ) ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إذا انتهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ ، فَلَيْسَتْ الْأُولَى بِأَحَقَّ مِنْ الْآخِرَةِ ) رواه أبو داود (5208) وصححه الألباني في صحيح أبي داود .

ب- التشبه بغير المسلمين ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ) رواه أبو داود (4031)، والتشبه بغير المسلمين – ولو باللسان – يؤثر في الخلق والدين .

ج- مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالحين في تعظيم اللغة العربية لأنها لغة القرآن الكريم .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" اللسان العربي شعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون ، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر ، أن يدعى الله أو يذكر بغير العربية...وأما الخطاب بها ( يعني الأعجمية ) من غير حاجة في أسماء الناس والشهور ، كالتواريخ ونحو ذلك ، منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب .

وأما مع العلم به ، فكلام أحمد بَيِّنٌ في كراهته أيضا ، فإنه كره "آذرماه" ونحوه ، ومعناه : ليس محرما .

وهو أيضا قد أخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم ، وعن شهود أعيادهم .

وهذا قول مالك أيضا ، فإنه قال : لا يُحرِم بالعجمية ولا يدعو بها ، ولا يحلف بها . وقال : نهى عمر عن رطانة الأعاجم وقال : " إنها خِبَّ " ( المكر والغش ، المدونة 1/62-63) ، فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقا .

وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن الحكم قال : سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول : لا نحب ألا ينطق بالعربية فيسمي شيئا بالعجمية ، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب ، فأنزل به كتابه العزيز ، وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا نقول : ينبغي لكل أحد يَقدِرُ على تعلم العربية أن يتعلمها ؛ لأنها اللسان الأَوْلَى بأن يكون مرغوبا فيه ، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية .

روى أبو بكر بن أبي شيبة في "المصنف" (9/11) حدثنا وكيع عن أبي هلال عن أبي بريدة قال : قال عمر : ما تعلم الرجل الفارسية إلا خَبَّ ( صار خَدَّاعًا ) ، ولا خَبَّ رجل إلا نقصت مروءته .

ونقل عن طائفة منهم أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية :

قال أبو خلدة : كلمني أبو العالية بالفارسية .

وقال منذر الثوري : سأل رجل محمد بن الحنفية عن الجبن ، فقال : يا جارية اذهبي بهذا الدرهم فاشتري به نبيزا ، فاشترت به نبيزا ، ثم جاءت به ، يعني الجبن .

وفي الجملة : فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب ، وأكثر ما كانوا يفعلون إما لكون المخاطب أعجميا ، أو قد اعتاد العجمية ، يريدون تقريب الأفهام عليه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص - وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر أبوها - فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة وقال : ( يا أم خالد هذا سنا ) والسنا : بلغة الحبشة الحسن . البخاري (5845)

ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال لمن أوجعه بطنه : أشكم بدرد .

وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن ، حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ، ولأهل الدار ، وللرجل مع صاحبه ، ولأهل السوق ، أو للأمراء ، أو لأهل الديوان ، أو لأهل الفقه ، فلا ريب أن هذا مكروه ، فإنه من التشبه بالأعاجم ، وهو مكروه ، ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلهما رومية ، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلهما فارسية ، وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية ، عودوا أهل هذه البلادِ العربيةَ ، حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم ، وهكذا كانت خراسان قديما .

ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة ، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم ، وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم ، ولا ريب أن هذا مكروه .

وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في الدور والمكاتب ، فيظهر شعار الإسلام وأهله ، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف ، بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى ، فإنه يصعب عليه . واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا ، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق .

وأيضا : فإن نفس اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ، فإنَّ فهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ثم منها ما هو واجب على الأعيان ، ومنها ما هو واجب على الكفاية .

وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال :

( كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : أما بعد ، فتفقهوا في السنة ، وتفقهوا في العربية ، وأعربوا القرآن فإنه عربي )

وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال :

( تعلموا العربية فإنها من دينكم ، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم )

وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه ؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال ، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله ، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله " انتهى باختصار .

"اقتضاء الصراط المستقيم" (1/204- 208)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

" الذي ينطق بالعربية لا ينطق بغير العربية ، ولهذا كان عمر بن الخطاب يضرب الناس إذا تكلموا برطانة الأعاجم ، والعلماء كرهوا أن يكون التخاطب بلغة غير العربية لمن يعرف اللغة العربية ، ولذلك - مع الأسف الشديد نجد بعضهم يتكلم باللغة غير العربية مع أخيه العربي ، بل بعضهم يعلم صبيانه اللغة غير العربية ، بل بعضهم يعلمهم التحية الإسلامية باللغة غير العربية ، سمعنا من يقول لصبيه إذا أراد مغادرته أو أتى إليه ، يقول : " باي باي " ، ما معنى " باي باي " ؟ معناها : مع السلامة في الإنجليزي ، كيف نذهب إلى هذا ؟ كل هذا من أجل إضاعة الشخصية في كثير من الناس ، بهرتهم هذه الحضارة في الدول العالمية ، فظنوا أنها هي منطلق التقدم " انتهى باختصار .

" لقاء الباب المفتوح " (لقاء رقم 142/سؤال رقم 3)

وأما معاني الكلمات الواردة في السؤال فهي :

( برب ) اختصار نطق : be right back ، ومعناها : سأعود بعد قليل .

( تيت ) اختصار نطق : take your time ، ومعناها : في الوقت سعة .

( ولكم ) : welcome : أهلا وسهلا .

( باي ) : bye : مع السلامة .

وينظر جواب السؤال رقم : (90066) .

والله أعلم .

الباب: الآداب والأخلاق والرقائق·عادات

سؤال رقم ٢٣٬١٧٨

دليل الألوان

آية قرآنيةحديث شريفنص فقهي من كتب العلماء

كل أسئلة باب عادات ‹