نسبه وأسرته
هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي. أبوه عبد العزيز بن مروان تولّى إمارة مصر زمنًا طويلًا في عهد أخيه الخليفة عبد الملك بن مروان، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، فهو من جهة أمه من ذرية أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. واختلف المؤرخون في سنة مولده فذكروا أنه وُلد نحو سنة إحدى وستين للهجرة، وقيل غير ذلك، واختلفوا في موضع مولده أيضًا بين المدينة ومصر، والذي ذكره ابن سعد وغيره أنه نشأ في المدينة النبوية.
إلى المدينة طالبًا للعلم
أرسله أبوه إلى المدينة ليتأدب بأهلها ويتفقه، فنشأ بين أبناء الصحابة وكبار التابعين، ولزم العلماء، وكان من مؤدبيه صالح بن كيسان. وروى عمر عن عدد من أهل العلم منهم أنس بن مالك رضي الله عنه وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. ومما يُروى في فضل صلاته وهو أمير على المدينة ما رواه أبو داود والنسائي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما صليتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز. قال الراوي: فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات وسجوده نحو ذلك. والحديث حسّنه بعض أهل العلم بالحديث.
وقد عُرف في شبابه بالترف وحسن الهيئة، فقد ذكر المؤرخون أنه كان من أنعم أهل زمانه عيشًا وأكثرهم عطرًا وأجودهم ثيابًا، قبل أن يتحول به الحال بعد الخلافة تحوّلًا بيّنًا. وهذه المقارنة هي ما جعل أهل العلم يتأملون سيرته؛ إذ لم يكن زاهدًا لأنه فقير لا يجد، وإنما كان زاهدًا وهو يجد ويقدر.
قصة الشجة وما أُلصق بها
يذكر ابن سعد وغيره أنه دخل في صغره إسطبل أبيه فضربه فرس فشجّ وجهه، فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: إن كنتَ أشجَّ بني أمية إنك إذن لسعيد. وصار يُلقَّب بأشجّ بني أمية. وقد أُحيط هذا الخبر بروايات أخرى ينبغي التنبيه عليها بصراحة، فقد رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى في منامه أو ذكر أن من ولده رجلًا بوجهه شجة يملأ الأرض عدلًا، ورُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما نحو ذلك. وهذه الأخبار لم تثبت بأسانيد صحيحة عند أهل الحديث، وهي من الأخبار التاريخية المتداولة التي ينبغي ألا يُبنى عليها حكم شرعي ولا يُنسب بها غيب إلى الصحابة إلا بدليل. ويكفي عمر بن عبد العزيز ما ثبت من سيرته وعدله.
ولايته على المدينة
لما تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة ولّى عمر بن عبد العزيز على المدينة، وكان ذلك في نحو سنة سبع وثمانين للهجرة، فمكث أميرًا عليها نحو ست سنوات حتى سنة ثلاث وتسعين تقريبًا. وذكر ابن كثير وغيره أنه لما قدم المدينة جمع عشرة من فقهائها وأعلام أهلها، منهم عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وغيرهم، فقال لهم ما معناه: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلم فأحرّج بالله على من بلغه ذلك أن يبلغني. فدعوا له وفارقوه على ذلك. وهذه من أجمل صور الشورى العملية في تاريخ الولايات: والٍ يضع بين يدي العلماء ميزانًا لمحاسبته هو قبل محاسبة غيره.
عمارة المسجد النبوي
وفي أثناء ولايته نفّذ أمر الوليد بن عبد الملك بإعادة بناء المسجد النبوي وتوسعته، وأُدخلت حجرات أزواج النبي ﷺ في المسجد. وقد ذكرت الروايات التاريخية أن أهل المدينة تألموا لهدم الحجرات لما فيها من آثار بيت النبوة، ورُوي عن سعيد بن المسيب أنه تمنى لو تُركت على حالها ليرى الناس كيف كان عيش النبي ﷺ وأهله. وهذه الرواية مذكورة في كتب الطبقات والتاريخ، ولا أعلم أنها بلغت درجة الصحة المقطوعة بها، فتُذكر على سبيل الحكاية التاريخية لا الجزم.
قصده الناسُ وتضايق الحجاج
ويذكر المؤرخون أن كثيرًا ممن ضاقت بهم الأحوال في العراق من ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي لجأوا إلى المدينة ومكة أيام ولاية عمر على الحجاز، وأن عمر كان يحسن إليهم ويحميهم من الإيذاء. فشكاه الحجاج إلى الوليد، وأشار على الخليفة أن الحجاز ضعف أمره وأن من فيه من العناصر المناوئة ينبغي ألا يُترك لها مأوى، فعُزل عمر عن المدينة نحو سنة ثلاث وتسعين. والروايات في تفاصيل هذا العزل تتفاوت، لكن المتفق عليه أن علاقته بالحجاج لم تكن علاقة ودّ، وأن عمر كان ينفر من سياسة الحجاج الصارمة.
وداع المدينة
وذكر ابن كثير وغيره أنه لما خرج من المدينة التفت إليها وبكى، وقال لمولاه مزاحم: يا مزاحم، أتخشى أن نكون ممن نفت المدينة؟ وهو يشير إلى الحديث الصحيح في الصحيحين: المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد. وفي هذه الحكاية دلالة على دقة محاسبته لنفسه؛ فهو ما خرج منها عزلًا وإنما خرج مشفقًا أن يكون قد فارقها لعيب في نفسه. ويحسن أن يُقال إنها حكاية تاريخية مشهورة، لا حديث ولا دليل شرعي.
من المدينة إلى دمشق
ثم انتقل إلى الشام، فكان في بلاط الأمويين، وصار من مستشاري سليمان بن عبد الملك بعد وفاة الوليد. وقد هيأته هذه السنوات للمهمة الكبرى التي لم يخطر بباله أنها قادمة: الخلافة. وكانت المدينة قد غرست فيه أمرين: مجالسة العلماء، وإحسان محاسبة النفس. وبهذين تهيأ لأن يكون ما كان.
الدرس
لا يُفاجَأ الناس عادةً بما يصنعه الرجال في القمة، وإنما يتشكل ذلك في خلواتهم وصحبتهم قبل الولاية. وقد كان عمر في المدينة يضع نفسه على ميزان العلماء، فلما ولي الأمر الأكبر وجد الميزان معه.
