بين يدي الخبر
كان سليمان بن عبد الملك قد تولى الخلافة بعد أخيه الوليد، وحكم نحو ثلاث سنوات، وانشغل بحملة كبرى على الروم حاصر فيها القسطنطينية بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، وأقام هو في دابق من أرض الشام يتابع أمر الجيوش. وفي أثناء ذلك أصابه المرض الذي مات به سنة تسع وتسعين للهجرة. وكان ولده أيوب قد مات قبله، وكان الأبناء الآخرون صغارًا أو غائبين، فوقع في نفسه أمر الاستخلاف.
رجاء بن حيوة ودوره
كان مع سليمان رجل من أهل العلم والصلاح هو رجاء بن حيوة الكندي، من أهل فلسطين، من التابعين الثقات، وكان وزيرًا ومستشارًا لخلفاء بني أمية. ومما يُروى في كتب التاريخ أن رجاء أشار على سليمان أن يستخلف رجلًا صالحًا، وأن ذلك مما يحفظ به نفسه في قبره، ثم ذُكر اسم عمر بن عبد العزيز، فكتب سليمان العهد وجعل الخلافة لعمر ثم من بعده لأخيه يزيد بن عبد الملك، وختم الكتاب. وهذا الترتيب كان تدبيرًا ذكيًا؛ فقد جعل لبني مروان ما يطمئنهم بجعل يزيد وليًّا ثانيًا، وجعل الأول رجلًا يرضى به الناس. وتفاصيل المشاورة بين سليمان ورجاء مذكورة في الطبري وابن كثير وغيرهما، وهي من الروايات التاريخية المتوارثة التي لا يُجزم بتفصيل كلماتها وإن كان أصل الخبر مشهورًا.
أخذ البيعة قبل كشف الاسم
ثم اشتد المرض بسليمان. وذكر المؤرخون أن رجاء جمع أهل بيته وكبار القوم في مسجد دابق، وطلب منهم أن يبايعوا من في الكتاب المختوم دون أن يُسمّى لهم. فبايعوا. وبعد وفاة سليمان فُتح الكتاب وقُرئ، فإذا فيه اسم عمر بن عبد العزيز. فتغيّر وجهه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال إنه لم يسأل هذا الأمر في سر ولا علانية. وتذكر بعض الروايات أن هشام بن عبد الملك اعترض أول الأمر وكان يرى أنه أحق، فاحتد عليه رجاء وهدده بأنه سيضرب عنقه إن لم يبايع، فبايع.
أول ما فعله عمر
ويقول المؤرخون إن عمر أخذ يقول عن نفسه إنه ابتُلي بهذا الأمر، ثم صعد المنبر وخاطب الناس خطبة قصيرة أعلن فيها أنه لم يُستشر ولم يطلب الأمر، وأنه يخلع عن أعناقهم ما عقدوه له من بيعة ليختاروا لأنفسهم. فصاح الناس بصوت واحد: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك. فقال: إن كنتم قد اخترتموني فأطيعوني ما أطعتُ الله فيكم. وهذه الخطبة مشهورة تتناقلها كتب السير، وإن كانت ألفاظها تتفاوت من رواية إلى أخرى. والمقصود أن البيعة العامة أُعيدت له بعد أن تبرأ منها، فصار توليه بعد ذلك بيعةً برضا الناس لا بعهد سابق وحده.
الميزان الشرعي لهذا المشهد
ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال له: يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكلتَ إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعنتَ عليها. وقد استشهد كثير من العلماء بسيرة عمر بن عبد العزيز على معنى هذا الحديث: فهو لم يطلب الأمر، ولما جاءه لم يتمسك به لنفسه، بل عرضه على الناس. ويبقى هذا التوجيه النبوي أصلًا صحيحًا ثابتًا، وسيرة عمر شاهدًا تاريخيًا حسنًا عليه، لا أنها دليل شرعي مستقل.
كما أن تعيين الخليفة وليَّ عهده أمر عرفته الدولة الإسلامية منذ أبي بكر رضي الله عنه حين عهد إلى عمر رضي الله عنه، وذكر العلماء أن العهد جائز إذا كان لمن يصلح، وأن الأحسن أن تتحقق بعده البيعة العامة. وهذا ما جرى في قصة عمر بن عبد العزيز.
ماذا جرى لحصار القسطنطينية؟
تذكر كتب التاريخ أن الجيش الإسلامي كان محاصرًا القسطنطينية حين مات سليمان، وأن الحصار قد طال واشتد على الجند البرد والجوع، وأن عمر أمر بعد توليه بسحب الجيش، فعاد مسلمة بن عبد العزيز وجنده. وقد ذكر المؤرخون أسبابًا لذلك منها قلة الأقوات وشدة الشتاء وطول المدة، والله أعلم بتفاصيل الأمر.
رجاء بعد التولية
ويقال إن رجاء بن حيوة بقي من خاصة عمر ومن معاونيه، وإن عمر استشاره في كثير من أمره. وهذا يدل على أن عمر عرف لرجاء فضله وإن كان قد تحمّل الغضبة الأولى.
رجاء وسالم ومحمد بن كعب: المستشارون الأوائل
ذكر ابن كثير وغيره أن عمر بعد البيعة جعل يستشير أهل العلم والصلاح، وأن رجاء بن حيوة كان في مقدمتهم. ورجاء ثقة فقيه عند أهل الحديث، وتوفي على المشهور سنة اثنتي عشرة ومائة. وكان ممن راسلهم عمر سالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن كعب القرظي. وينقل المؤرخون عن محمد بن كعب نصيحة معناها: اجعل كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم أخًا، وصغيرهم ولدًا، فبرّ أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك. وهي موعظة مشهورة في كتب المواعظ والسير، ولا يجزم بأن ألفاظها وردت بهذا النص حرفيًّا. وجواب سالم بن عبد الله مذكور في قصة أخرى من هذه المجموعة.
الخليفة بين العهد والبيعة
يرى جمهور أهل السنة أن الخلافة تنعقد بالبيعة وبعهد الخليفة السابق إلى من يصلح، كما عهد أبو بكر إلى عمر رضي الله عنهما ثم ارتضى الصحابة ذلك. وأما أن تكون الخلافة وراثة محضة فليس من أصول الإسلام، وإنما حدث لما تحول الأمر في الأمويين إلى ملك. فإذا نظرنا إلى قصة عمر وجدنا أنها أقرب ما يكون إلى الأصل: خليفة يعهد إلى الأصلح، ثم يعرض المعهود له الأمر على الناس فيرتضونه. ولهذا ذكر بعض العلماء هذه الواقعة في مدح عمر وفي بيان بعض أصول الإمامة، وإن كان الأمر بعده قد عاد في خلفائه إلى ما كان.
الدرس
من عرف عظم الأمانة لم يتزاحم عليها، وإذا جاءته من غير مسألة تهيّب حملها وسأل ربه العون. وفي هذا المعنى نصيحة لكل من يتولى شأنًا عامًا: أن يتثبت من رضا الناس وقدرته على القيام بالحق، وأن لا يستبد بالأمر.
