Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: كاتبٌ بين يدي النبي ﷺ

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

إسلامه وصحبته

هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي الأموي، أخو أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها. أسلم على المشهور عام فتح مكة سنة ثمان للهجرة، ورُوي عنه أنه أسلم قبل ذلك وكتم إسلامه، والأول هو الذي اشتهر عند أهل السير. وشهد حنينًا مع النبي ﷺ، وصحبه وكان من الصحابة رضي الله عنهم. وثبت في الصحيحين النهي العام عن سب الصحابة، من قوله ﷺ: لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. وعلى هذا الأصل يقوم موقف أهل السنة من معاوية رضي الله عنه: فضل الصحبة، وإمساك عمّا جرى بين الصحابة.

ما رواه مسلم عن ابن عباس

روى مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن أبا سفيان قال للنبي ﷺ: ثلاث أعطنيهن يا رسول الله. فأجابه إلى ثلاث، منها أن يجعل معاوية كاتبًا بين يديه، فقال: نعم. وهذه الفقرة هي أشهر ما يُستدل به على أن معاوية كان يكتب للنبي ﷺ. وقد ورد في بعض الأحاديث أن معاوية كان من كتّاب الوحي، وهو ما ذكره جمع من العلماء. غير أن علماء الحديث تنبهوا إلى إشكال في هذا الحديث نفسه، فقد جاء فيه أن أبا سفيان عرض تزويج ابنته أم حبيبة للنبي ﷺ، وهي كانت زوجة له من قبل ذلك بسنوات في الحبشة، فاستشكل ذلك ابن حزم وحكم بضعف الحديث، وقال ابن القيم في ما نقل عنه إن في الحديث وهمًا من بعض الرواة، وحمله آخرون على وجوه من التوفيق. وليس هذا الإشكال في فقرة الكتابة نفسها، لكن الأمانة العلمية تقتضي ذكره. والذي لا خلاف فيه أنه كان ممن كتب للنبي ﷺ على الجملة، وأن اشتهاره بذلك في كتب السيرة بالغ.

حديث الغلام ودعوة النبي ﷺ

ومن الأحاديث في صحيح مسلم أن ابن عباس قال إنه كان يلعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فأرسله ليدعو معاوية، فوجده يأكل، فعاد فقال له، فأرسله ثانية، فوجده يأكل، فقال النبي ﷺ: لا أشبع الله بطنه. وقد أورد مسلم الحديث في باب من لعنه النبي ﷺ أو سبّه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة، وفهم منه العلماء أن هذه الدعوة من جنس ما يجري على لسان النبي ﷺ دون قصد، وأن الله يجعلها رحمة لمن دُعي عليه كما في الحديث الصحيح: اللهم إنما أنا بشر، فأيّما مسلم سببته أو لعنته فاجعلها له زكاة وأجرًا. وبذلك ردّ العلماء على من أخذ من هذا الحديث ذمًّا لمعاوية رضي الله عنه.

الدعاء له بالهداية

وروى الترمذي من حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، وقد اختلف في صحبته، أن النبي ﷺ قال لمعاوية: اللهم اجعله هاديًا مهديًّا واهدِ به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وصححه بعض المتأخرين، وضعفه آخرون لاضطراب في إسناده. فالأقرب أن يقال إن الحديث مختلف في درجته، ولا يُعتمد عليه وحده في إثبات فضل لم يثبت بغيره.

قول ابن راهويه وردّ ابن حجر

من الأقوال المنقولة عن الإمام إسحاق بن راهويه أنه قال: لم يصح في فضل معاوية شيء. وقد نقله ابن حجر وغيره، وبيّنوا أن المراد أنه لم يصح في فضله الخاص حديث مرفوع بعينه بحسب شرط ذلك الإمام، ولا يعني ذلك أن الرجل لا فضل له، فهو ثابت الصحبة، وله في الجهاد ما ذكره المؤرخون، ويرتبط بزمنه ما ورد في الصحيح من أحاديث غزو البحر. وهذا النمط من التحرير يدل على أن أهل الحديث يفصلون بين ما يثبت من الفضل الخاص وبين الفضل العام للصحبة.

الإمارة على الشام

ولي معاوية الشام زمنًا طويلًا. فبعد أن توفي أخوه يزيد بن أبي سفيان في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكانه، ثم ضم إليه عثمان رضي الله عنه الشام كلها، فبقي عشرين سنة تقريبًا قبل أن يصير الخليفة. ويُروى أن عمر رضي الله عنه قال فيه عند رؤيته: هذا كسرى العرب، وهي حكاية مشهورة لا تعتبر دليلًا شرعيًّا. وقد عُرف معاوية بالحلم وسعة الصدر في كلام المؤرخين، ومن ذلك قول ابن كثير إنه كان حليمًا واسع الصدر، وهذا مما تواتر في كتب التاريخ دون أن يكون لكل رواية مفردة سند مقطوع بصحته.

موقف أهل السنة

يجتمع في معاوية رضي الله عنه أنه صحابي، وكاتب للنبي ﷺ على الجملة، وأمير للشام في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما، وصاحب أول غزوة بحرية للمسلمين كما سيأتي، وطرف الصلح الذي تم مع الحسن بن علي رضي الله عنهما. وفي المقابل جرى بينه وبين علي رضي الله عنه ما جرى، وموقف أهل السنة المعروف أن عليًّا كان أقرب إلى الحق وأن معاوية رضي الله عنه تأول، وأن الواجب الكف عن الخوض والسكوت عما شجر بين الصحابة. وهذا ما يرجحه جمهور أئمة السنة، وهو ما يوجبه العدل والأدب في الحديث عن الصحب الكرام.

ما معنى كاتب الوحي؟

كان للنبي ﷺ كتّاب عدة، وأشهرهم في كتابة القرآن زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو الذي قال له أبو بكر رضي الله عنه حين كلفه بجمع القرآن كما في صحيح البخاري: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ. وعدّ أهل السير مع زيد جماعة منهم الخلفاء الأربعة وأبي بن كعب وغيرهم، وعدّوا معاوية بينهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن معاوية كان يكتب للنبي ﷺ في المراسلات والحاجات أكثر مما كان يكتب الوحي، وبين العبارتين فرق في الدقة؛ لذلك فالأسلم أن يُقال: كان من كتّاب النبي ﷺ، وذكره جمع من العلماء في كتّاب الوحي. وتحرير هذه الدقة لا ينقص من قدره، لأن الكتابة بين يدي النبي ﷺ شرف عظيم على كل حال.

الدرس

إنصاف الصحابة يقتضي أن نثبت لهم ما ثبت من الفضل بالدليل، وأن نعرف لكل منهم قدره، وألا نبني حكمًا على روايات ضعيفة تُروى في ذمهم أو في مدحهم، وأن ننبه على ما في الأحاديث من إشكال بدلًا من كتمانه.

العبرة

نثبت للصحابي ما ثبت بالدليل من فضله ونمسك عما شجر بين الصحابة، ونبيّن موضع الإشكال في الروايات بدل كتمانه.

المصدر: صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة: حديث ابن عباس في أبي سفيان ومعاوية؛ وكتاب البر والصلة: باب من لعنه النبي ﷺ...)؛ صحيح البخاري ومسلم (لا تسبوا أصحابي)؛ سنن الترمذي (مناقب معاوية)؛ فتح الباري لابن حجر؛ البداية والنهاية لابن كثير (ترجمة معاوية).

الدرجة: الأحاديث المذكورة من صحيح مسلم والصحيحين صحيحة، وفي حديث الطلبات الثلاث إشكال أشار إليه ابن حزم وابن القيم يتعلق بفقرة أم حبيبة؛ وحديث الترمذي اهدِ به مختلف في صحته؛ وحكاية كسرى العرب مشهورة غير محررة السند.