إحياء العلم
من أعظم ما يُنسب إلى عمر بن عبد العزيز عناية الدولة بالعلم والسنة. ففي صحيح البخاري في كتاب العلم أن عمر كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكان قاضي المدينة وواليها، أن انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأن لا يُقبل إلا حديث النبي ﷺ، وأن يفشوا العلم ويجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا. وقد علّق البخاري هذا الأثر في كتاب العلم. وقد كان لهذه الرسالة أثر في بدء التدوين الرسمي للحديث، ومنه عمل ابن شهاب الزهري المعروف، وهو أحد من جمع السنة بأمر من الخليفة.
دعاة الفقه إلى المغرب
وتذكر كتب التاريخ والطبقات، كابن عبد الحكم وغيره، أن عمر بعث إلى إفريقية عشرة من التابعين ليعلموا الناس أمور دينهم، فكان لهم أثر في نشر الفقه والقرآن في تلك البلاد، ويعرفون في كتب المغاربة بالتابعين العشرة. وهذا الخبر مشهور في كتب أهل المغرب، وفيه تفاصيل تتفاوت في أسماء من بُعثوا.
أمر المنابر
ومن مشهور ما نُسب إليه أنه أمر بترك سبّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر، وكان ذلك قد جرى في بعض البلاد في العهود السابقة، وأمر أن يُقرأ بدلًا منه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90). وهذا الخبر مشهور عند المؤرخين، وقد أفردته بقصة أخرى.
مجدّد المائة الأولى
روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. والحديث صححه جماعة من أهل العلم. وقد ذهب جمهور من تكلم في شرح هذا الحديث إلى أن عمر بن عبد العزيز هو مجدد رأس المائة الأولى، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن الإمام أحمد وغيره قالوا بذلك، فقد تُوفي عمر على رأس المائة الأولى. ويجب أن نذكر هنا أن تعيين المجدد في كل قرن اجتهاد من العلماء وليس نصًّا في الحديث، وقد اختلفوا في هذا التعيين في القرون التالية، واتفقوا على جلالة عمر ومكانته.
وفاته
تُوفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة إحدى ومائة للهجرة في دير سمعان بقرب حمص من أرض الشام، وكان عمره نحو أربعين سنة، وكانت خلافته نحو سنتين وخمسة أشهر. وقد ذكر المؤرخون أنه مرض وأن بعض الروايات تقول إنه سُمّ، ولم يثبت ذلك بدليل قاطع. وذكروا أنه اشترى من راهب موضع قبره بثمن، وأنه دفن في دير سمعان. وقد رويت في آخر لحظاته روايات كثيرة مذكورة في قصة أخرى من هذه المجموعة.
أثره في المؤرخين والعلماء
حظي عمر بن عبد العزيز بإجماع تقريبًا على الثناء عليه عند علماء أهل السنة، وعُدّ خامس الخلفاء الراشدين عند كثير من المتأخرين على سبيل التشبيه لا على سبيل الاعتبار الشرعي، فإن الخلافة الراشدة في الحديث الصحيح المعروف حددت بثلاثين سنة، كما في حديث سفينة عند أبو داود والترمذي: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك، وقد حسنه جماعة. ومع هذا فقد وصف العلماء عمر بأنه شبيه بالراشدين، ولم يخرجوه عن مقام الإجلال.
درس التاريخ
يُلاحَظ أن إصلاحات عمر بن عبد العزيز لم تدم طويلًا بعد وفاته، فقد عاد بعض ما غيّره إلى ما كان عليه في عهد خلفائه. وفي هذا عبرة بأن الإصلاح الذي يقوم على الأشخاص دون المؤسسات يتأثر برحيلهم، وأن الله جعل أمر العدل في الأمة مرتبطًا بالعلماء الصادقين والأمراء الصالحين معًا. ولا يعني هذا التقليل من أثره، فقد بقي ذكره حيًّا على مر العصور، وبقي كل قاضٍ وأمير يستحضر سيرته مثالًا.
لماذا احتاج العلم إلى تدوين؟
ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في أول الأمر: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه. ثم ثبت أن الإذن بالكتابة جاء لاحقًا، فقد روى البخاري أن النبي ﷺ قال بعد فتح مكة: اكتبوا لأبي شاه، وكان رجل من أهل اليمن طلب أن يُكتب له الخطبة. وكان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يكتب ما يسمع، وسمّى صحيفته الصادقة. وقد جمع العلماء بين الأحاديث بأن النهي كان خشية اختلاط القرآن بغيره في أول الأمر، ثم أُذن بالكتابة بعد أن أُمن ذلك. فجاء أمر عمر بن عبد العزيز في سياق مأخوذ من هذه الأصول.
روايتا الزهري
روى ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله عن ابن شهاب الزهري أنه قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا. وهذه الرواية مشهورة عند أهل العلم، وقد ذكرت لها قصة مستقلة في هذه المجموعة. فتبين أن مبدأ تدوين السنة بأمر الدولة يعود إلى زمن عمر بن عبد العزيز، ثم تتابع بعده تدوين الموطأ ثم المسانيد والصحاح.
الدرس
ما أقصر ما عاش وما أعظم ما أثّر. فالعمر الذي يوزن بالعمل الصالح لا بعدد الأيام، وهذا من معاني قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2).
