Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عام الجماعة: الحسن بن علي ومعاوية وصلح حقن به الله دماء المسلمين

الحسن بن علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم

تمهيد

لما استشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في رمضان سنة أربعين على يد عبد الرحمن بن ملجم، بايع أهل الكوفة ابنه الحسن رضي الله عنه. وكان معاوية رضي الله عنه واليًا على الشام قد دعا لنفسه بالخلافة، فاجتمع الجيشان على أطراف العراق: جيش الحسن من أهل العراق وجيش معاوية من أهل الشام. وكان الحسن رضي الله عنه قد رأى من تقلب أهل الكوفة وخذلانهم ما رأى.

ما رواه البخاري عن الحسن البصري

روى البخاري في صحيحه في كتاب الصلح عن الحسن البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال. فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولّي حتى تقتل أقرانها. فقال معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له فطلبا إليه. فقال لهما الحسن: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سأل شيئًا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه. هذا لفظ قريب من لفظ الرواية، وفيه أن الصلح تم بمبادرة من معاوية وقبول من الحسن، وأن الدافع حقن الدماء. وقال الحسن البصري في آخرها: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: بينما النبي ﷺ يخطب جاء الحسن فقال النبي ﷺ: ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.

الحديث النبوي والإخبار بالغيب

حديث أبي بكرة هذا رواه البخاري في أكثر من موضع، وهو من علامات النبوة. ووصف النبي ﷺ الحسن بالسيادة، ووصف الفئتين بأنهما من المسلمين، فلا يجوز أن يُخرج أحدهما من الإسلام. وهذا من أصول موقف أهل السنة: أن الصحابة الذين تقاتلوا لم يخرجوا عن الإسلام، وأن الصلح الذي حصل مدحه النبي ﷺ سلفًا.

عام الجماعة

سمّى الناس السنة الحادية والأربعين عام الجماعة، لاجتماع كلمة المسلمين بعد فرقة. وفي هذا العام تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، وانتهى الأمر ببيعة معاوية في الكوفة، ثم عاد الحسن إلى المدينة. واختلفت الروايات التاريخية في الشروط التي ذكرت في الصلح، فذكرت بعض الكتب أن معاوية دفع أموالًا للحسن، أو أنه التزم بأمور في سيرة الحكم، وهي روايات في ثبوت تفاصيلها مقال، ولا يُعتمد عليها في الحكم. والمعتمد ما في صحيح البخاري من أصل الصلح وبواعثه.

العلماء وحديث ثلاثين سنة

روى أبو داود والترمذي من حديث سفينة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك. وقد حسنه جماعة من أهل العلم، وقال العلماء إن هذه الثلاثين تكتمل بنزول الحسن عن الخلافة بعد نحو ستة أشهر من خلافته، فبذلك تمت مدة الخلافة الراشدة كما أخبر النبي ﷺ. وهذا ما ذكره ابن كثير وغيره، وهو جمع جميل بين التنبؤ النبوي والوقائع.

ما بعد الصلح

استقر الأمر بعد الصلح لمعاوية، فحكم المسلمين نحو عشرين سنة، وتوقفت الفتنة الكبرى بين المسلمين. وعادت الغزوات على الثغور، وغزا المسلمون الروم برًّا وبحرًا. ولا يعني ذلك أن عهده خلا من الملاحظات، فقد ذكر العلماء ما ينتقد من تحول الخلافة إلى ملك، واستخلاف ابنه يزيد، ومواضع كثيرة من الاجتهاد المنتقد. لكن الكلام في هذه القصة محصور في الصلح وفضل من سعى فيه.

وصف الحسن بن علي

قال بعض أهل العلم إن تنازل الحسن رضي الله عنه من أعظم مناقبه، فقد ترك السلطة وفي يده جيش كبير، رغبة فيما عند الله وحقنًا لدماء المسلمين. ووفق هذا الفهم فسّر العلماء قول النبي ﷺ سيد. ويُنسب إلى الحسن رضي الله عنه كلام في سبب صلحه، لا يصح الجزم بألفاظه، لكن المعنى المتفق عليه هو ما ذكره في الرواية الصحيحة: أن الأمة عاثت في دمائها.

الإصلاح بين الفئتين في القرآن

قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: 9)، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات: 10). وقد سمّى القرآن الطائفتين المقتتلتين مؤمنتين، وفي هذا أصل لما ذهب إليه أهل السنة في الصحابة. وقال تعالى في الصلح بين الزوجين: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: 128)، وذكر العلماء أن لفظه عام يشمل كل صلح لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا. وروى أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى. قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة. وصححه جماعة. ومن هنا يعظم قدر من تنازل في سبيل جمع كلمة الأمة.

الدرس

حقن الدماء مقصد عظيم يُقدّم على لذة الحكم، وقد جمع الله بين فئتين عظيمتين على يد رجل زهد في الإمارة. ومن تأمل الخبر عرف أن الإصلاح بين المسلمين يحتاج إلى تنازل من الطرفين: الحسن ترك الخلافة، ومعاوية قبل بالمصالحة وحرص على سلامة المسلمين.

العبرة

حقن دماء المسلمين مقدّم على لذة الحكم، والإصلاح بين الفئتين يحتاج تنازلًا وحرصًا على الأمة من الطرفين.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الصلح: باب قول النبي ﷺ للحسن بن علي: إن ابني هذا سيد، عن الحسن البصري عن أبي بكرة)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث سفينة: الخلافة ثلاثون سنة)؛ البداية والنهاية لابن كثير (حوادث سنة 41هـ)؛ تاريخ الطبري.

الدرجة: أصل الصلح وحديث أبي بكرة في صحيح البخاري ثابت؛ وحديث سفينة حسّنه جماعة من أهل العلم؛ أما تفاصيل شروط الصلح ومحل اللقاء فمتفاوتة الروايات في كتب التاريخ ولا تُجزم.