Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عبد الملك بن مروان: من محراب المدينة إلى توحيد الدولة

عبد الملك بن مروان

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الفقيه الناسك قبل الخلافة

هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان بن الحكم، وُلد في المدينة نحو سنة ست وعشرين للهجرة، وقيل قبل ذلك، ونشأ بين الصحابة وأبنائهم، وسمع من جماعة منهم. وقد ذكر الذهبي وابن كثير وغيرهما عن نافع مولى ابن عمر قوله ما معناه إنه رأى المدينة وما فيها شاب أشد تشميرًا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان. وهو قول مشهور عند أهل التراجم، وهو منقول عن نافع في كتب التراجم ولم أقف على تحرير إسناده. ويقال إنه كان يُدعى حمامة المسجد لملازمته له، وهو وصف ذكرته كتب الأدب والتاريخ دون إسناد.

ويروى أنه لما بلغه أمر الخلافة وكان في حجره المصحف، أطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. وهذه الحكاية تُروى في كتب التاريخ، ولا يصح منها إسناد، وهي أقرب إلى الحكاية الأدبية منها إلى الخبر المحقق، فلا تُبنى عليها أحكام.

إنهاء الفتنة الكبرى

تولى عبد الملك الخلافة سنة خمس وستين للهجرة في ظروف شديدة، فقد كانت الأمة منقسمة: عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قد أعلن نفسه خليفة في الحجاز، ومصعب بن الزبير في العراق، والأمويون يتنازعون. وبعد سنوات من القتال قُتل مصعب في دير الجاثليق سنة اثنتين وسبعين، ثم حاصر الحجاج بن يوسف مكة وقُتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين رضي الله عنه. وبهذا انتهت فتنة طويلة وتوحد الأمر لعبد الملك. ولا ينبغي أن يغيب عن القارئ أن هذه الفتنة كلفت دماء غالية، وأن نهايتها كانت بقتل صحابي جليل هو ابن الزبير، وأن ما نُسب إلى الحجاج من الظلم لا يقلل من ثقله هذا المعنى.

الكعبة وصحيح مسلم

روى مسلم في صحيحه في كتاب الحج، في باب نقض الكعبة وبنائها، أن ابن الزبير كان قد هدم الكعبة وبناها على ما أخبرته به خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ، من إدخال الحِجر وفتح بابين. فلما قُتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره، فأمره عبد الملك أن يعيدها إلى بنائها القديم. ثم روى مسلم أن عبد الملك سأل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، فحدثه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قوله لها: لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لأعدتُ البيت على قواعد إبراهيم. فقال عبد الملك: لو كنتُ سمعتُه قبل أن أهدمه لتركتُه على ما بنى ابن الزبير. وهذا الخبر ثابت في صحيح مسلم، وفيه مثال لتواضع الحاكم للحق بعد ظهوره. وقد ذكر العلماء مسألة ترك المصلحة حين تخشى فتنة، وبنوا على قصة الكعبة قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

إصلاحات الدولة

ذكر المؤرخون أن عبد الملك قام بإصلاحات إدارية ومالية كبرى منها تعريب الدواوين، أي جعل لغة الإدارة العربية بدلًا من اللغات القديمة، وكان ذلك في الشام وفي العراق بعد ذلك، وبعضه تم في عهد ولده الوليد. ومنها سك العملة الإسلامية الخالصة فقد ضُرب الدينار العربي الإسلامي سنة سبع وسبعين للهجرة على المشهور، وحملت النقود شعارات التوحيد وسورة الإخلاص. ولا أجزم بتفاصيل السنوات ولا بمن باشر التنفيذ، فقد تتفاوت الروايات. وعُرف عهده بتطوير البريد وبناء الطرق.

قبة الصخرة

بُنيت قبة الصخرة في القدس سنة اثنتين وسبعين للهجرة على الأرجح في عهده. وقد روى اليعقوبي أنه بناها ليصرف الناس عن الحج إلى مكة لأن ابن الزبير كان فيها، وهذا الخبر أنكره كثير من الباحثين، ولا يصح الجزم به، وتشكيك المؤرخين فيه قوي؛ إذ لا يعقل أن يصرف الخليفة المسلمين عن ركن الحج. والأولى أن تُرى عمارته في سياق إعمار بيت المقدس.

مجلس المظالم

وذكر الماوردي في الأحكام السلطانية أن عبد الملك بن مروان أول من أفرد للمظالم يومًا يتصفح فيه قصص المتظلمين، وكان إذا وقف على ما يشكل ردّه إلى قاضيه أبي إدريس الأزدي ليحكم فيه. وهذا يُحسب له، وقد تتابع بعده خلفاء على النظر في المظالم.

إنصاف في الحكم عليه

لا يُذكر عبد الملك بمعزل عن مآخذ التاريخ عليه. فقد ذكر المؤرخون أنه قتل عمرو بن سعيد الأشدق بعد أن أعطاه الأمان، وأنه ولّى الحجاج بن يوسف الذي اشتهر بالشدة وسفك الدماء. فهو خليفة جمع بين إنجازات كبرى وأخطاء كبرى، وقد أنصفه العلماء بذكر فقهه وعلمه وإنجازاته، وفي الوقت نفسه لم يغطوا سيئاته.

الكعبة بعد ذلك: موقف الإمام مالك

ويُروى في كتب التراجم، كترتيب المدارك للقاضي عياض، أن الخليفة العباسي هارون الرشيد، أو قبله المنصور على اختلاف الروايات، أراد أن يعيد بناء الكعبة على ما بناه ابن الزبير مستندًا إلى حديث عائشة، فاستشار الإمام مالك بن أنس فقال له ما معناه: أنشدك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد منهم إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. فتركه الخليفة. والخبر مشهور عند المالكية، ولا يُجزم بتحديد اسم الخليفة فيه، وهو يُظهر أن الموازنة الفقهية بين المصالح هي التي أبقت بناء الحجاج على حاله إلى اليوم، مع ما ثبت في الحديث من الأصل.

الدرس

العلم والتقوى في الشباب لا يمنعان من وقوع الأخطاء في السلطة، لكنهما يفتحان باب الرجوع إلى الحق حين يتبين، كما في قصة الكعبة. وعلى الباحث أن يجمع بين الإنصاف في المدح والإنصاف في النقد.

العبرة

تواضع الحاكم للحق حين يتبين له خير من المكابرة، والإنصاف في الحكم على الرجال يجمع بين ذكر الفضل وذكر الخطأ.

المصدر: صحيح مسلم (كتاب الحج: باب نقض الكعبة وبنائها)؛ الأحكام السلطانية للماوردي (باب ولاية المظالم)؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ تاريخ الطبري؛ فتوح البلدان للبلاذري.

الدرجة: قصة الكعبة وقول عبد الملك فيها ثابتة في صحيح مسلم؛ وسائر الأخبار مشهورة في كتب التاريخ والتراجم، أما قصة إطباق المصحف فلا سند صحيح لها، وخبر اليعقوبي عن الحج وقبة الصخرة أنكره كثير من الباحثين.