Islamic MixIslamic Mix
‹ الخلفاء والقضاة والعدل
الخلفاء والقضاة والعدلموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

معاوية يروي الحديث ثم يعمل به: من احتجب دون حاجة الناس احتجب الله دونه

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه

لماذا هذه القصة؟

أردنا في هذه الدفعة أن نذكر معاوية رضي الله عنه بما صح، فقد اجتمع حوله ركام من الروايات المتضاربة بين الغلو والذم، ولا بد من العودة إلى ما في دواوين السنة. وما نذكره هنا مما رواه معاوية نفسه، ومما رُوي عن موقفه من الأحاديث التي بلغته، وهو باب يظهر فيه كيف كان الصحابي والي المسلمين يستجيب للنص النبوي.

خطبته عن عاشوراء

روى البخاري ومسلم عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عام حج على المنبر بالمدينة، يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. ففي الحديث أن معاوية وهو الخليفة يسأل عن علماء المدينة في خطبته، ويحث على العلم، ويذكر حديثًا في فضل صيام عاشوراء وأن صيامه ليس بفرض. وقد استدل به العلماء على أن صيام عاشوراء كان واجبًا ثم نُسخ إلى الاستحباب بفرض رمضان.

حديث التفقه

وروى البخاري ومسلم أيضًا عن معاوية رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله. وهذا الحديث من أشهر ما رواه معاوية، وقد استدل به أهل العلم على فضل الفقه في الدين، وأن العلم بالشرع علامة إرادة الله الخير بالعبد. وهو دليل على أن معاوية كان يحدث بحديث النبي ﷺ على المنبر.

الأمير الذي سمع فاستجاب

روى أبو داود والترمذي من حديث أبي مريم الأزدي رضي الله عنه أنه دخل على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان؟ وهي كلمة تقولها العرب. فقال أبو مريم: حديثًا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة. قال: فجعل معاوية رجلًا على حوائج الناس. هذا لفظ قريب من الحديث. وقد صححه جماعة من المحدثين المعاصرين، وفي إسناده كلام ببعض الرواة، وهو في السنن لا في الصحيحين.

وفي هذه الرواية دلالة على أن معاوية رضي الله عنه حين بلغه الوعيد النبوي لم يكتف بالتأثر، بل أنشأ منصبًا إداريًّا يتولى حوائج الناس، فكان ذلك من أسباب حسن إدارة دولته. وهذا يوافق ما ذكره المؤرخون عن حرصه على لقاء الوفود وسماع الشكاوى، وإن لم يُنقل لنا تفصيل الإجراءات بنص صحيح.

ميزان الروايات

يجب هنا أن نتنبه إلى أن بعض ما يُنقل عن معاوية من أحاديث خاصة في فضله لم يثبت، وأن بعض ما يُنقل في ذمه لم يثبت كذلك. والمنهج السليم أن نقتصر على ما صح، وعلى ما كان من سيرته الثابتة في كتب أهل السنة. وقد روى معاوية عن النبي ﷺ أحاديث معدودة، وله روايات في الصحيحين، وهي كافية في إثبات سماعه من النبي ﷺ وصحبته.

حلمه

يذكر المؤرخون حلم معاوية وسعة صدره عن كثير من الإساءة، ويروون في ذلك قصصًا كثيرة. ومن أمثالها ما ينقل أنه كان يصبر على من يتكلم عليه بالنقد، ويقول إنه لا يحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بينه وبين ملكه. وهذه العبارة تنسب إليه في كتب الأدب بصيغ متعددة، ولا أعلم لها إسنادًا محققًا، فأذكرها على سبيل الحكاية وأتحفظ في نسبتها. ومن الإنصاف أن نقول إن الحلم صفة مدح، وإن الشريعة تأمر بالعفو، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134).

ما أخذه العلماء عليه

من أمانة العلم ألا نخفي ما أخذه العلماء على عهد معاوية، فقد ذكروا أن الخلافة تحولت في عهده إلى ملك وراثي حين عهد إلى ابنه يزيد، وأن ذلك كان اجتهادًا انتقده كثير من الصحابة والتابعين، ومنهم عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي رضي الله عنهم على ما تذكره كتب التاريخ بتفاوت في التفاصيل. وقال ابن كثير وغيره إن في تولية يزيد أمورًا لو لم تكن لكان أولى. ولا يجوز أن يكون حب الصحابي سببًا لإخفاء هذا الجانب ولا أن يكون نقده سببًا لإسقاط فضله. وقد قال الإمام أحمد وغيره بالترحم على جميع الصحابة والإمساك عما شجر بينهم.

من أعمال الإدارة في عهده

ذكر المؤرخون كالطبري والمسعودي أن معاوية رضي الله عنه استحدث ديوان الخاتم، وهو ديوان تختم فيه الرسائل الرسمية حفظًا من التزوير، كما نظم البريد لنقل الأخبار بين الأقاليم، وأنشأ حرسًا خاصًّا للخليفة، واتخذ المقصورة في المسجد بعد حادثة تعرض فيها للأذى على ما قيل. وهذه الأعمال إدارية، لا يتعلق بها حكم شرعي، وتدل على اهتمامه بنظام الدولة. وتفاصيل الأسباب التي ذكروها لبعضها كحادثة الخاتم ومبلغ المال فيها لم أجد لها سندًا محققًا، فلا أنقلها.

الدرس

أعظم ما يُستفاد من هذه الرواية الصحيحة أن الحاكم إذا بلغه الحديث عمل به، وأن باب الحاجات يجب أن يبقى مفتوحًا أمام المحتاجين. ومن أراد أن يتعلم من التاريخ فليبدأ بالمرويات الثابتة، فهي أبقى أثرًا وأصدق عبرة.

العبرة

الحاكم الذي يبلغه الوعيد النبوي في الاحتجاب عن حاجات الناس يعمل به فيجعل من يتولى حوائجهم، والإنصاف في ذكر الصحابي أن نقتصر على ما صح ونمسك عما شجر.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم (حديث معاوية في عاشوراء، وحديث من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث أبي مريم الأزدي في الاحتجاب عن حاجات الناس)؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ سورة آل عمران: 134.

الدرجة: حديثا معاوية في عاشوراء والتفقه في الصحيحين صحيحان؛ وحديث أبي مريم في السنن اختُلف في إسناده وصححه جماعة، وفعل معاوية فيه جزء من الرواية؛ وأخبار حلمه وعباراته في كتب الأدب والتاريخ بلا أسانيد محققة؛ وانتقاد تولية يزيد مذكور في كتب التاريخ بتفاوت.