من هو عمير بن سعد؟
هو عمير بن سعد بن عبيد الأنصاري الأوسي رضي الله عنه، من صغار الصحابة، توفي أبوه وهو صغير فتزوج الجلاس بن سويد بن الصامت أمه، فنشأ في حجر زوج أمه. وشهد عمير مع النبي ﷺ غزوة تبوك على ما ذكرته كتب السير، وعاش بعد النبي ﷺ فكان من أصحاب عمر، حتى ولاه على حمص ثم على بعض الجزيرة. وتوفي نحو سنة عشرين أو إحدى وعشرين للهجرة على قول، وقيل غير ذلك. ويروى أن عمر بن الخطاب قال فيه: هذا نسيج وحده.
قصة تبوك والجلاس
يروي ابن إسحاق في السيرة والطبري وابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ ۖ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (التوبة: 74)، أن هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد على أحد الأقوال، وأنه قال في غزوة تبوك لما سمع خطبة النبي ﷺ في المنافقين: لئن كان هذا الرجل صادقًا فيما يقول لنحن شر من الحمير. فسمعه عمير بن سعد، فقال له: والله يا جلاس إنك لأحب الناس إلي، وأحسنهم عندي يدًا، وأعزهم علي أن يصيبه شيء يكرهه، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك، ولئن صمتُّ عنها لتهلكنّ ديني، ولإحداهما أيسر علي من الأخرى. ثم مضى فأخبر النبي ﷺ، فأرسل إلى الجلاس فسأله، فحلف بالله ما قال. فأنزل الله الآية. وفي الرواية أن الجلاس تاب وحسنت توبته، وأن عميرًا أخبر بذلك، وأن الجلاس قال: صدق عمير، وأستغفر الله وأتوب إليه. وكان الجلاس بعد ذلك يحسن إلى عمير ويبره.
تنبيه على الخلاف
يجب التنبيه على أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقيل في الجلاس، وقيل في عبد الله بن أبي بن سلول، وقيل في آخرين، كما ذكر ابن كثير وغيره في التفسير. فلا يُجزم بأن الآية نزلت في الجلاس بعينه، وإن كانت قصته مشهورة في السير. والمهم أن قول الله تعالى: ﴿فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ باب التوبة مفتوح، وأن من سمع منكرًا عظيمًا بلّغ الحق لأن الدين أحب إليه من القريب.
درس الأمانة في الإبلاغ
يستفاد من موقف عمير أن الأمانة تقتضي الإبلاغ بما يتعلق بأمر الدين ولو كان المبلَّغ عنه قريبًا. وقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: الدين النصيحة، رواه مسلم. لكن ينبغي التفريق بين الإبلاغ عن كفر ونفاق يضر بالأمة وبين نقل العثرات والزلات الشخصية، فالأخيرة منهي عنها، وقد قال النبي ﷺ: من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة، متفق عليه. وعمير بلّغ ما فيه طعن في الرسالة وهو أمر عظيم.
والي حمص
ولاه عمر رضي الله عنه حمص، وتشير كتب التراجم إلى أنه ولي بعد سعيد بن عامر أو في زمنه، وأنه كان يتولى أمور المسلمين ببساطة شديدة. وروى الذهبي في السير وأبو نعيم في الحلية أن عمر قال: وددت أن لي رجلًا مثل عمير بن سعد أستعين به على أعمال المسلمين. وهذه الرواية في إسنادها نظر، وأنقلها على الحكاية.
الرجوع بلا مال
ومن أشهر الأخبار المنسوبة إليه أنه بعد سنة من ولايته كتب إليه عمر أن يقدم، فقدم ماشيًا، معه جراب فيه زاده وقصعته وإداوته وعصاه، فسأله عمر عن حاله وعن ما جمع، فأخبر أنه جبى الفيء من وجهه وقسمه في أهله، وأنه لو بقي شيء لجاء به. فأراد عمر أن يجدد له العهد فرفض. وهذه الرواية نقلها أبو نعيم وغيره في سياق طويل، ولا أتحقق من صحة سندها، وفي ألفاظها اضطراب بين الروايات، فأقتصر على المعنى: أن الوالي لا يستأثر بشيء من المال العام، ويصرفه في الفقراء والمصالح.
الميزان الشرعي
قال الله تعالى في قسمة الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7). وهذه الآية أصل في وجوب توزيع المال العام بحيث لا يحتكره الأغنياء. وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه حديث ابن اللتبية: قام النبي ﷺ على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر أيُهدى له أم لا. وهذا الحديث أصل في تحريم هدايا العمال ووجوب الأمانة.
الخلفية: جيش العسرة
كانت غزوة تبوك في سنة تسع للهجرة في حر شديد وقلة زاد ومركب، فسُمي جيشها جيش العسرة، ونزلت فيها آيات كثيرة من سورة التوبة تكشف أحوال المنافقين وتمدح المؤمنين الصادقين. وفي الصحيحين حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الطويل في قصة الثلاثة الذين خُلّفوا، وهو حديث عظيم في الصدق والتوبة. ففي هذه الغزوة اختُبر الناس اختبارًا شديدًا، فظهر المنافق والصادق، ومن ثَمَّ كان موقف عمير جزءًا من صورة أوسع للأمانة في الدين.
الدرس
التزام الحق في الصغر يورث الأمانة في الكبر، وعمير الذي بلّغ عن زوج أمه خوفًا على دينه صار واليًا لا يأخذ شيئًا من مال المسلمين. ومن عرف الله عرف أن للناس حقوقًا لا يجوز أن تُغتصب بحجة السلطة.
