حين اشتد الحصار على حصن بابليون، أرسل المقوقس، عظيم القبط ومن يتولى أمر مصر، إلى عمرو بن العاص يطلب أن يرسل إليه رجالًا يتحدث معهم. فاختار عمرو عشرة من أصحابه، وجعل عبادة بن الصامت رضي الله عنه أميرهم ومتحدثهم، وكان رجلًا طويلًا شديد السواد. فلما دخلوا على المقوقس، هاله سواد عبادة، فقال: نحّوا عني هذا الأسود وقدّموا غيره يكلمني. فقالوا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا، وهو سيدنا وخيرنا، وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه. فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟ قالوا: لا، إنه وإن كان أسود كما ترى فهو من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا. فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك. فتقدم عبادة وقال: قد سمعت مقالتك، وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود مني وأفظع منظرًا، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم، وإني قد وليت وأدبر شبابي، وإني مع ذلك بحمد الله ما أهاب مائة رجل من عدوي لو استقبلوني جميعًا. ثم عرض عليه عبادة ما يدعو إليه المسلمون: أن يدخلوا في الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا فالقتال حتى يحكم الله بينهم. فلم يقبل الروم الصلح أولًا، ثم اضطرت الأحوال المقوقس إلى ما اضطر إليه، فصالح المسلمين على الجزية.
‹ الفتوحات والتاريخ الإسلامي
الفتوحات والتاريخ الإسلاميمشهور
عبادة بن الصامت أمام المقوقس
عبادة بن الصامت
هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.
العبرة
العزة بالله لا تتأثر بالمظهر ولا باللون، وقيمة الرجل بعقله وعلمه وسابقته.
المصدر: فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم؛ تاريخ الطبري
الدرجة: مشهور في كتب فتوح مصر وتاريخها
