Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والتاريخ الإسلامي
الفتوحات والتاريخ الإسلاميموثّق

عمرو بن العاص على فراش الموت

عمرو بن العاص

روى مسلم في صحيحه عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص رضي الله عنه وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشّرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نُعدّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. إني قد كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضًا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك. فبسط يمينه فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة. ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها. فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فشنّوا علي التراب شنًّا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. وكان عمرو رضي الله عنه قد أسلم قبل فتح مكة، وجاء إلى المدينة مهاجرًا مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، وقد روى الترمذي أن النبي ﷺ قال فيه: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. ثم صار من كبار قادة المسلمين، وفتح الله على يديه مصر، وولي أمرها. فهذا هو عمرو بن العاص، فاتح مصر وأحد دهاة العرب، يقف عند الموت خائفًا راجيًا، يتذكر كيف حوّله الإسلام من عدو لرسول الله ﷺ إلى محب له، ثم يوصي ألا يُنادى عليه بنياحة ولا تُتبع جنازته نار، وأن يبقى أهله عند قبره قليلًا ليستأنس بهم وهو يعرض على ربه. وقال العلماء في شرح هذا الحديث إن فيه الجمع بين الخوف من الله ورجاء رحمته، وإن الإسلام يمحو ما قبله من الذنوب، وإن التوبة الصادقة تبدّل الحال. وتوفي عمرو بن العاص سنة ثلاث وأربعين للهجرة على الأرجح، في مصر. ويستدل العلماء بهذا الحديث على أن من أسلم محيت عنه ذنوبه السابقة، وأنه لا ينبغي لأحد أن يقنط من رحمة الله مهما كان ماضيه، فقد كان عمرو أشد الناس عداوة ثم صار من أنصار الدين. وهكذا جمع هذا الصحابي في لحظاته الأخيرة بين الاعتراف بنعمة الله والخوف من التقصير.

العبرة

المؤمن يموت بين الخوف والرجاء، ويعظّم نعمة الإسلام التي هدمت ما قبلها من الذنوب.

المصدر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج

الدرجة: صحيح — رواه مسلم