بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشًا إلى بلاد فارس، وأمّر عليه النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه، وكان صحابيًا. وتذكر كتب التاريخ أن الفرس اجتمعوا في نهاوند في جيش كبير، وأن عمر استشار الناس في الأمر، وكتب إلى النعمان يوصيه، وسمّى في كتابه من يتولى القيادة بعده إن قُتل. وروى البخاري في صحيحه عن جبير بن حية أن الفرس حين اصطفّوا خرج مترجمهم فقال: ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟ قال المغيرة: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر. فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السماوات والأرضين تعالى ذكره وجلّت عظمته إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا ﷺ عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يُر مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم. ثم تحدث النعمان بن مقرن، فقال: شهدت القتال مع رسول الله ﷺ، فكان إذا لم يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات. فانتظر النعمان حتى زالت الشمس وهبّت الرياح، ثم دعا الله بدعاء عظيم، وتذكر الروايات أنه قال: اللهم ارزق النعمان اليوم شهادة تنصر بها المسلمين وافتح عليهم، وطلب من الجيش أن يؤمّنوا على دعائه، فأمّن الناس. ثم حمل المسلمون على الفرس، وسقط النعمان رضي الله عنه شهيدًا، وأخذ الراية بعده حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وتحقق النصر. وتذكر كتب التاريخ أن عمر رضي الله عنه كان ينتظر الخبر في المدينة بقلق، فلما جاءه الرسول وأخبره باستشهاد النعمان بكى. وتذكر الروايات أنه سأل عن بقية الشهداء، فذكر له الرسول أسماء بعضهم وقال إن آخرين لا يعرفهم، فقال عمر ما معناه: لا يضرهم ألا يعرفهم عمر، الله يعرفهم. وسُمّي هذا الفتح فتح الفتوح لأنه أنهى مقاومة الفرس الكبرى. ومن العبر في هذا الخبر أن الصحابة كانوا يقتدون بهدي النبي ﷺ حتى في اختيار وقت القتال، ويجمعون بين الأخذ بالأسباب والدعاء. وكان لهذا الفتح أثر عظيم، فبعد نهاوند لم يعد للفرس جيش يجتمع لهم، وانفتح للمسلمين طريق الهضبة الإيرانية، ففتحوا همذان والري وأصبهان وغيرها، وفرّ يزدجرد إلى الشرق. وقد رأى الناس في هذه القصة كيف يجتمع الإيمان بالنصر مع التواضع بين يدي الله، فقائد الجيش يطلب الشهادة قبل أن يطلب الغنيمة.
‹ الفتوحات والتاريخ الإسلامي
الفتوحات والتاريخ الإسلاميموثّق
النعمان بن مقرن ونهاوند: فتح الفتوح
النعمان بن مقرن
العبرة
الدعاء قبل اللقاء والانتظار لوقت مناسب من هدي النبي ﷺ، والقائد الصادق يطلب النصر لأمته ولو بالشهادة.
المصدر: صحيح البخاري، كتاب الجزية والموادعة (حديث جبير بن حية)؛ تاريخ الطبري (نهاوند)
الدرجة: صحيح — رواه البخاري في أصل الحديث، وتفاصيل الفتح في كتب التاريخ مشهورة
