— تمهيد: غزوات تذهب وتعود — لم يكن فتح بلاد المغرب عملًا واحدًا خاطفًا، بل جاء على مراحل طويلة. فقد سار المسلمون إلى إفريقية (تونس وما حولها) من مصر في خلافة عثمان رضي الله عنه، وذكر المؤرخون أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح رضي الله عنه غزاها سنة 27هـ وانتصر على جيش الروم وقائدهم المذكور في الكتب باسم جرجير، ثم عاد المسلمون إلى مصر بعد صلح ومال. وتكررت الغزوات في خلافة معاوية رضي الله عنه، ومنها غزوات معاوية بن حُديج. وكان النمط المتكرر، كما ترسمه كتب التاريخ، أن الجيش يدخل البلاد فيغلب ثم ينصرف، فإذا انصرف عادت الحاميات الرومية وعاد بعض القبائل إلى ما كانوا عليه. ومن هنا نشأت الحاجة إلى قاعدة دائمة للمسلمين في قلب البلاد، لا مجرد معسكر مؤقت يرحلون عنه.
— عقبة بن نافع الفهري — هو عقبة بن نافع الفهري القرشي، من بني فهر. شارك في فتح مصر في جيش عمرو بن العاص رضي الله عنه، ثم غزا برقة وزويلة وفزان وما وراءها قبل ولايته على إفريقية. واختُلف في إدراكه زمن النبي ﷺ، والمشهور عند أهل العلم أنه من التابعين. وفي سنة 50هـ، في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولّاه إفريقية، وذكر ابن الأثير وغيره أنه سار إليها في نحو عشرة آلاف فارس، وانضم إليه من أسلم من أهل البلاد في الطريق. والأعداد في أخبار الفتوح تقريبية في الغالب، فلا يُجزم بها.
— لماذا مدينة؟ — ينقل ابن الأثير وغيره معنى كلام عقبة لأصحابه: إن أهل إفريقية إذا نزل بهم السيف أجابوا إلى الإسلام، فإذا رجع الجيش عنهم رجع بعضهم إلى ما كان عليه، ولذلك رأى أن يتخذوا مدينة تكون قيروانًا، أي معسكرًا ومستقرًّا، تكون عزًّا للإسلام وأهله إلى آخر الدهر. وكلمة القيروان معرّبة من أصل فارسي يُراد بها الموضع الذي تنزل فيه القافلة أو الجند. فالفكرة إذن فكرة سياسية وعسكرية ودعوية معًا: مكان يستقر فيه المقاتلون وأهلهم، ويتعلم فيه من أسلم من أهل البلاد، وتخرج منه الجيوش وتعود إليه.
— اختيار الموضع — تذكر كتب المغاربة والمؤرخين أن عقبة اختار موضعًا في سهل داخلي بعيد عن البحر، حتى لا يتسلط عليه أسطول الروم الذي كان يغير على السواحل، وقريب من الأرض الصالحة للرعي، لأن جيش المسلمين كان يعتمد على الخيل والإبل. وكان الموضع آنذاك أرضًا كثيفة الشجر والأحراش، فيها وحوش وحيّات، فاحتاج الأمر إلى قطع الشجر وتمهيد الأرض قبل البناء. وتشير الأخبار إلى أن المسلمين اشتغلوا بذلك مدة، ثم خُطّت المدينة، وبُني المسجد في وسطها ودار الإمارة بجواره، وأقام الناس بيوتهم حولها.
— الرواية المشهورة عن الحيّات والسباع — اشتهر في كتب التاريخ والمناقب أن عقبة وقف في الوادي وقال للحيات والسباع ما معناه: يا أهل هذا الوادي إنا حالّون فاظعنوا، وأنه كرر ذلك فخرجت الدواب من أماكنها حتى كانت الأم تحمل صغيرها، وتُروى هذه القصة ضمن كرامات الصالحين. وينبغي أن نقول بوضوح إن هذه الرواية لا نعلم لها إسنادًا صحيحًا، وهي من أخبار المتأخرين في كتب مثل رياض النفوس والبيان المغرب، ولذلك لا نبني عليها شيئًا، ولا نجزم بوقوعها. والثابت المتفق عليه في الجملة هو تأسيس المدينة نفسها وبناء مسجدها وجعلها قاعدة للمسلمين، وهذا يكفي في بيان فضل الرجل وجهده.
— الصحابة والتابعون في القيروان — يذكر بعض المؤرخين أن في جيش عقبة عددًا من الصحابة والتابعين، وتختلف الأخبار في عددهم وأسمائهم، ولذلك نكتفي بالقول إن كتب المغاربة تعتني بذكر من دُفن في القيروان من الصحابة والتابعين، وتجعل ذلك من مفاخر المدينة، وإن تفصيل الأسماء يحتاج إلى تحقيق لا تتسع له هذه القصة. وعلى كل حال فقد صارت القيروان مركز العلم في المغرب، يخرج منها القضاة والفقهاء، وإليها يرحل طلاب العلم.
— مصير المدينة بعد عقبة — لم يقم عقبة طويلًا في ولايته الأولى، فقد عُزل في نحو سنة 55هـ وولّى معاوية أبا المهاجر دينارًا، ثم رجع عقبة والٍ مرة أخرى سنة 62هـ كما سيأتي في قصة استشهاده. وتعرضت القيروان في فترة الاضطراب لسيطرة الخصوم، ثم عادت للمسلمين. ومع مرور القرون صارت عاصمة الأغالبة ومنارة لمذهب الإمام مالك رحمه الله، وفيها دوّن سحنون المدونة بعد أسد بن الفرات رحمهما الله. فالمدينة التي بدأت معسكرًا في أرض مليئة بالأحراش صارت من أعظم حواضر العلم في الغرب الإسلامي.
— وقفة مع المعنى — الدرس التاريخي هنا أن الفتح العسكري وحده لا يكفي، وأن الثبات يحتاج إلى مؤسسات: مسجد يُعلَّم فيه الناس، ومدينة يستقر فيها أهل الإسلام، ودور إمارة تُدار منها البلاد. وقد فهم عقبة هذا فبنى القيروان. والقرآن الكريم يشير إلى معنى التمكين للدين في الأرض مع العمل والصلاح في قوله تعالى في سورة النور عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن الله يستخلفهم في الأرض ويمكّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، فالتمكين وعد من الله يقترن بالإيمان والعمل.
— تنبيه على المصادر — اعتمدت هذه القصة على ما يذكره ابن الأثير في الكامل وابن كثير في البداية والنهاية وابن خلدون وغيرهم من تأسيس القيروان، وهي أخبار تاريخية مشهورة، وأما تفاصيل الكرامات فمن مصادر متأخرة ضعيفة الإسناد كما نبهنا، فمن أراد الاحتياط اقتصر على الثابت من أصل التأسيس.
