— من العزل إلى العودة — بعد أن أسس عقبة بن نافع القيروان عُزل عن ولاية إفريقية نحو سنة 55هـ، وجاء بعده أبو المهاجر دينار، وهو مولى لبعض الأنصار، وقيل مولى لمسلمة بن مخلد والي مصر. وقد ذكر المؤرخون أن أبا المهاجر مضى في الغرب إلى ناحية تلمسان، وأن زعيمًا بربريًّا اسمه كُسيلة بن لمزم كان على قبيلة أوربة فوقع في الأسر أو دخل في طاعة المسلمين وأسلم، وصار يرافق أبا المهاجر. وفي سنة 62هـ، بعد أن تولى يزيد بن معاوية الخلافة، أعاد عقبة إلى ولاية إفريقية.
— الخلاف بين القائدين — تروي كتب التاريخ، ومنها الكامل لابن الأثير وكتب ابن خلدون، أن عقبة حين وصل أخذ أبا المهاجر وعامله بشدة، وأنه قيّده وحمله معه في الجيش، وأن أبا المهاجر نصحه بالرفق بكسيلة وبالحذر منه وقال إنه رجل لا يؤمن جانبه إن أُذلّ. وتذكر بعض الروايات أن عقبة أهان كسيلة فأمره بسلخ شاة أمام الناس فمسح يده في لحيته، وأن أبا المهاجر نبهه إلى أن هذا الرجل سيحمل الحقد. وهذه الروايات متداولة، لكنها من أخبار الرواة المتأخرين، ولا نملك إسنادًا قويًّا لها، فنقول: رُوي ولم يثبت. والمتفق عليه أن علاقة غير جيدة قامت بين عقبة وبين كُسيلة وبين عقبة وأبي المهاجر، وأن ذلك كان من أسباب ما حدث بعد ذلك.
— الزحف إلى المغرب الأقصى — خرج عقبة من القيروان بجيش كبير، وسار غربًا فمرّ بمواضع كثيرة منها بلاد الزاب ثم تاهرت، ثم انتهى إلى طنجة، ومنها إلى السوس الأدنى والسوس الأقصى، وقاتل الأمازيغ في أماكن عدة وغنم. وتذكر الروايات المشهورة أنه وصل إلى ساحل المحيط الأطلسي، فأدخل فرسه في الماء حتى بلغ الماء بطنه أو صدره، ثم قال ما معناه: اللهم إني لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا لخضته إليها مجاهدًا في سبيلك، اللهم اشهد أني بلغت المجهود. وهذه الجملة نقلها ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون وغيرهم بصيغ متقاربة. وهي رواية تاريخية مشهورة، لكن لا إسناد صحيحًا يعتمد عليه فيها، فنذكرها بلفظ: ذُكر، وبالمعنى لا باللفظ الحرفي.
— العودة ومباغتة الأعداء — في طريق العودة وزع عقبة أجزاء من جيشه، وانتقل كثير من الجنود إلى القيروان بإذنه، وبقي معه عدد قليل نسبيًّا. وكان كسيلة قد اتصل بأعداء المسلمين من البربر والروم، وجمع جمعًا كبيرًا. وعلم أبو المهاجر بالخطر، فيروى أنه طلب من عقبة أن ينجو بنفسه ليبقى للمسلمين قائد، وأن عقبة رفض، وقال أبو المهاجر إنه سيبقى معه. ويذكر ابن الأثير أن المسلمين كسروا أغماد سيوفهم تعبيرًا عن العزم على القتال إلى النهاية، وهذه من الأخبار التي تتردد في كتب التاريخ دون إسناد قوي.
— المعركة في تهودة — كان اللقاء في موضع يقال له تهودة، قرب بسكرة في جنوب الجزائر اليوم، وذلك سنة 63هـ. واستشهد عقبة بن نافع وأبو المهاجر دينار ومن معهما من المسلمين، وكان فيهم جماعة من صالحي التابعين، ويقال إن بعضهم من الصحابة، والأقرب أن العبارة تحتاج إلى تحقيق. ودُفن عقبة في الموضع الذي يعرف اليوم بسيدي عقبة قرب بسكرة، وعليه مسجد مشهور، ويقول المؤرخون المعاصرون إن البناء الحالي متأخر عن زمن عقبة بقرون، فلا يُجزم بأن القبر هو قبره حقيقة.
— ما بعد الاستشهاد — استولى كسيلة على القيروان وحكمها نحو خمس سنوات، وانسحب المسلمون إلى برقة. ثم أرسل عبد الملك بن مروان زهير بن قيس البلوي، فهزم كسيلة في موقعة قرب القيروان (يسميها المؤرخون معركة ممس)، وقتل كسيلة. ثم قُتل زهير نفسه في معركة مع الروم قرب برقة. فكان طريق الفتح طويلًا ومليئًا بالتضحيات، ولم تتم السيطرة على المغرب إلا في زمن حسان بن النعمان وموسى بن نصير.
— في ميزان العلماء — يعدّ المؤرخون عقبة من أعظم القادة الفاتحين وأشدهم عزيمة، ويذكرون له الجهد الباقي: تأسيس القيروان ونشر الإسلام في المغرب. غير أن خلافه مع أبي المهاجر، وشدته في معاملة زعماء قومه الجدد بحسب بعض الروايات، يعطي درسًا في السياسة الحكيمة: لا يكفي الإخلاص والشجاعة وحدهما في إدارة الأمور، بل لا بد من الرفق وحسن السياسة، كما قال النبي ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله»، وهو حديث متفق عليه من رواية عائشة رضي الله عنها.
— الشهادة في ميزان الإسلام — المسلم الذي يموت في ساحة الجهاد صابرًا محتسبًا ينال منزلة الشهداء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ في سورة آل عمران. وصح عن النبي ﷺ في حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند مسلم أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت. وهذا باب شرعي ثابت، لكنه لا يعني تقديس كل تصرفات القائد أو تبرير كل قراراته؛ فالقائد الشهيد يُرجى له الأجر مع بقاء النقد العلمي لسياسته، وهذا ما فعله المؤرخون حين وصفوا شجاعته وذكروا في الوقت نفسه ما أخذوه على تدبيره في تلك الرحلة، من تفريق جيشه في طريق العودة ومن سوء العلاقة مع كسيلة.
— اختلاف الروايات في اللحظات الأخيرة — تتفاوت المصادر في تفاصيل ما جرى في تهودة: كم كان مع عقبة من الرجال؟ وهل كان أبو المهاجر معه مقيدًا أم حرًّا؟ وهل قُتل مع عقبة في المعركة نفسها؟ وكل ذلك مما لا يتفق عليه الرواة، ولذلك اكتفينا بالقدر المتفق عليه: أن عقبة استشهد في تلك الناحية سنة 63هـ بعد مواجهة مع كسيلة وحلفائه.
— تنبيه على المصادر — أخبار هذه القصة من الكامل لابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير وتاريخ ابن خلدون والبيان المغرب لابن عذاري، وهي كلها متأخرة عن الأحداث، وتفاصيل الحوارات بين عقبة وأبي المهاجر وكسيلة وعبارته عند المحيط مشهورة لكنها غير موثقة بإسناد، فنذكرها بصيغة التمريض، والمتفق عليه استشهاده سنة 63هـ في تهودة.
