Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

موسى بن نصير: من تثبيت إفريقية إلى أبواب الأندلس

موسى بن نصير

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— من هو موسى بن نصير — موسى بن نصير من التابعين الأمراء القادة، ينسبه المؤرخون إلى لخم أو إلى موالي بني أمية، وتختلف الروايات في أصله وفي مولده، فبعضها يجعله من أهل الشام، وفي كتب أخرى أن أباه نصيرًا كان في حرس معاوية رضي الله عنه. نشأ في خدمة الدولة الأموية، وتولى بعض الأعمال في الشام ثم في مصر، وقد ولاه عبد العزيز بن مروان أمير مصر ولاية إفريقية سنة 85هـ تقريبًا بعد حسان بن النعمان، وأقره الخليفة عبد الملك ثم ابنه الوليد.

— تثبيت الأمر في إفريقية — وجد موسى إفريقية بعد حسان قد دخلها الإسلام لكن البلاد لا تزال غير مستقرة، فالقبائل الأمازيغية تنتقض، والروم يتربصون في السواحل. ويذكر المؤرخون أنه قاتل قبائل هوارة وزناتة وكتامة وغيرها، وفتح بلادًا كثيرة، وأخذ في أسر عددًا ممن قاتله، ثم أحسن إلى من أسلم منهم وضمّهم إلى جيشه، حتى صار الجيش مزيجًا من العرب والأمازيغ. وهذه السياسة هي التي جعلت الفتح في المغرب ثابتًا على خلاف الغزوات السابقة. وتتفق الروايات على أن موسى بلغ بجيوشه طنجة والسوس الأقصى، وهو الموضع الذي وقف عنده عقبة بن نافع من قبل، لكن دون أن يخوض المحيط.

— طارق بن زياد على طنجة — من أهم أعمال موسى أنه ولى طارق بن زياد طنجة. وطارق من الموالي، يقول أكثر المؤرخين إنه من البربر من قبيلة نفزة، وقيل بل فارسي الأصل وهذا قول ضعيف عند أكثر الباحثين. وكان طارق على رأس جيش أكثره من الأمازيغ الذين أسلموا، وهذا يدل على ثقة موسى بهم. وبقيت سبتة (المقابلة للأندلس) بيد حاكمها المسمى في الكتب العربية يُليان أو جوليان، وهو إما عامل للقوط أو للروم، فتختلف الروايات في تبعيته، ولم يفتحها المسلمون بالقوة، بل تذكر الكتب أن يُليان صالح موسى أو تحالف معه لاحقًا.

— تفكير في الأندلس — لم يكن موسى يريد البقاء عند حدود المغرب، فقد كان جيشه قويًّا وأسطوله يتطور. وتذكر الروايات أنه كتب إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك يستأذنه في عبور المضيق إلى الأندلس، فكتب إليه الوليد ما معناه أن يجرب أولًا بالسرايا حتى لا يخاطر بالمسلمين في بحر عظيم الأهوال. وهذه الرواية تردد في المصادر الأندلسية والمغربية مثل نفح الطيب والبيان المغرب، ولا نملك إسنادًا قويًّا لحرفية الجواب، لكن معناها منسجم مع الحذر المعروف في سياسة الدولة الأموية.

— سرية طريف — أرسل موسى سرية بقيادة رجل بربري اسمه طريف بن مالك (ويكنى أبا زرعة)، ويقال إنه نزل بجزيرة قرب الأندلس في رمضان سنة 91هـ، فغنم ورجع سالمًا، وسميت الجزيرة باسمه الجزيرة الخضراء أو جزيرة طريف (طريفة)، وهي اليوم تسمى طريفة في الإسبانية. وهذه الغزوة كانت اختبارًا لمدى ما في الأندلس من استعداد للدفاع، وللطريق البحري. وبعد نجاحها اطمأن موسى إلى التقدم فبدأ يجهز الجيش الذي سيقوده طارق بن زياد.

— الأسطول والإدارة — تذكر المصادر أن موسى اهتم ببناء السفن في ساحل تونس، فأقام دار الصناعة التي أسسها حسان من قبل، وقد غزت سفنه بعض جزر البحر المتوسط مثل ميورقة وسردينيا، وإن كانت تفاصيل ذلك تحتاج إلى تحقيق. كما نظم الأمور المالية في بلاده وولى العمال، وذكر المؤرخون أنه كان يتقن إدارة الجيوش، وقد اشتهر عنه قولهم إنه ما هُزمت له راية. وهذا قول رواه المؤرخون كابن خلكان في ترجمته بصيغة تقريبية، ولا يُراد به الحصر التام.

— صفات الرجل في نظر المؤرخين — يصفه الذهبي وابن كثير بأنه من الأمراء الشجعان الأذكياء، ويذكران أنه كان عفيفًا في بداية أمره، وتتضمن بعض الكتب ثناءً على تدينه وكرمه. وفي المقابل ستأتي الروايات التي تذكر ما أصابه بعد عودته من الأندلس من نكبة، وهي قصة سنرويها مع التمحيص في موضعها. ولا ينبغي أن نغلو فنجعله معصومًا ولا أن نجحد جهده في الفتح.

— الدروس — أول ما يستفاد من هذه المرحلة أن الفتح الحقيقي هو الذي ينتهي بكسب القلوب لا بغلبة الأجساد؛ فإدخال الأمازيغ في الجيش وتوليتهم القيادة، وهو ما فعله موسى، قلب المعادلة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ في سورة الحجرات، والمسلمون الجدد لم يُعاملوا كغرباء بل كشركاء. وثانيها الاستئذان وطلب الرأي من الإمام قبل المغامرة الكبرى، وهو من حسن التدبير.

— الغنائم والخُمس — كان من تنظيم الدولة أن يُؤخذ خمس الغنائم لبيت المال، عملًا بقول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. وتذكر الكتب أن ما كان يرسله ولاة المغرب إلى دمشق من الخمس كان يمثل مصدرًا مهمًّا لبيت المال، وقد أثار ذلك لاحقًا خلافات بين الولاة والخلفاء حول مقادير الغنائم وحسابها، وهو ما سيظهر في قصة عودة موسى إلى الشام.

— تنبيه على المصادر — اعتمدنا في هذه القصة على ابن الأثير وابن كثير وابن خلدون وابن خلكان وابن عذاري والمقري. والأخبار المتعلقة بنسب موسى وولائه، وبوضع يُليان، وبنص مراسلاته مع الوليد، فيها خلاف واضطراب بين الروايات، ولذلك أوردناها بالمعنى والتمريض.

العبرة

ثبات الفتح يأتي من إشراك أهل البلاد الجدد في القيادة والجيش، ومن التدرج والتجربة قبل المغامرة الكبرى.

المصدر: الكامل لابن الأثير، البداية والنهاية لابن كثير، تاريخ ابن خلدون، وفيات الأعيان لابن خلكان (ترجمة موسى بن نصير)، البيان المغرب لابن عذاري، نفح الطيب للمقري؛ والقرآن الكريم: سورة الحجرات (آية التقوى معيار التفاضل).

الدرجة: مشهور في كتب التاريخ، وفيه خلاف في نسب موسى وولائه وفي تاريخ ولايته ووضع سبتة، وجواب الوليد المنقول بصيغته غير مسند.