— بعد مقتل زهير — بعد استشهاد زهير بن قيس البلوي قرب برقة سنة 76هـ تقريبًا، بقيت إفريقية بين طرفين: الروم الذين يملكون السواحل ومنها قرطاجنة، وقبائل الأمازيغ التي اختلف موقفها بين من أسلم ومن بقي على دينه وولاءاته. وأدرك عبد الملك بن مروان أن المنطقة تحتاج إلى حملة كبرى بعد فراغه من أمر الفتنة في المشرق، فأرسل حسان بن النعمان الغساني على رأس جيش كبير. وتختلف الروايات في تواريخ حملته بين سنة 73 وسنة 78هـ، ويغلب على الظن أنه دخل إفريقية في أواخر السبعينيات الهجرية.
— فتح قرطاجنة — تذكر كتب التاريخ، ومنها ابن الأثير وابن خلدون، أن حسان سار إلى قرطاجنة (المسماة في الكتب العربية قرطاجنة أو قرطاجنّة)، وكانت أعظم مدن الروم في إفريقية، فحاصرها وفتحها. ويروى أن الروم وأعوانهم فرّوا بسفنهم إلى صقلية والأندلس، ثم عادوا بأسطول بعد انصراف حسان، فاضطر حسان إلى الانسحاب إلى القيروان ثم عاد وقاتلهم من جديد. ثم قام حسان ببناء مدينة تونس قرب قرطاجنة، وأقام فيها دار صناعة للسفن، فكانت تونس نواة المدينة التي صارت عاصمة تونس الحالية. وهذا من مكر التاريخ: المدينة القديمة تسقط وتقوم بجوارها مدينة جديدة.
— الكاهنة — أشهر ما يتصل بحسان قصة الكاهنة، وهي امرأة بربرية يسميها المؤرخون العرب الكاهنة، ويقال إن اسمها ديهيا أو داميا، وإنها كانت زعيمة قبيلة جراوة في جبال الأوراس، وتختلف الروايات في دينها، فقيل إنها كانت يهودية وقيل غير ذلك. وقد انتصرت على جيش حسان في معركة قرب وادي نيني (ويسمى أيضًا وادي مسكيانة) فأخرجت المسلمين من القيروان، وانسحب حسان إلى برقة، وأقام بقصور عرفت بقصور حسان. ويذكر ابن الأثير وابن خلدون أنها حكمت نحو خمس سنوات.
— الأرض المحروقة — تروي بعض المصادر أن الكاهنة قالت لقومها إن العرب إنما يطلبون من البلاد الذهب والفضة والمدن، فأمرتهم بتخريب المدن وقطع الأشجار، حتى لا يطمع العرب فيها، فتضرر الناس بسبب ذلك، وانقلب كثير من الأهالي عليها. ومثل هذه الروايات مصدرها أغلبًا رواة عرب متأخرون يميلون إلى تبرير ما جرى، ولا يوجد عندنا مصدر محايد يؤكدها أو ينفيها، فنقول: ذُكر ولا نملك ما يثبته.
— عودة حسان — أمد عبد الملك بن مروان حسان بجيش جديد، فرجع ولقي الكاهنة في موضع قيل إنه قرب قابس أو قرب بئر سمي بعد ذلك بئر الكاهنة، فهزمها وقتلها. وتزعم الروايات أنها أوصت ابنيها بأن يلتحقا بالمسلمين ويدخلا في طاعتهم حفاظًا على مكانتهما، وأنهما فعلا. وتروي كتب التاريخ أن حسان استعان بأبناء الأمازيغ في جيشه، وقسم عليهم مناصب، وهذا هو الاتجاه الذي جعل المغرب بلدًا مسلمًا في النهاية: انتقال الأمازيغ من الخصومة إلى المشاركة في الفتح، كما سيظهر في قصة طارق بن زياد.
— التنظيم والإدارة — لم يقتصر عمل حسان على القتال، فقد ذكر المؤرخون أنه نظّم أمور الخراج في إفريقية، وأقام الدواوين، ويُنسب إليه بناء جامع تونس، وأقام دار صناعة السفن لأن المسلمين أدركوا أن مواجهة الروم تحتاج إلى قوة بحرية. وتشير الروايات إلى أنه شجع على نشر الإسلام وتعليم القرآن بين الأمازيغ، وأن عددًا منهم أسلم في عهده.
— نهاية ولايته — عُزل حسان من ولاية إفريقية في نحو سنة 85هـ وتولاها موسى بن نصير. وتتفاوت الروايات في سبب العزل، فمنها أن عبد العزيز بن مروان أمير مصر عزله لسبب لا نجزم به، وفي بعضها قصة عن مال ودنانير لا نستطيع التحقق منها. ومعظم ما يروى عن هذه الفترة يحتاج إلى حذر بسبب بُعد المصادر الزمني وتأثر الرواة بالعصبيات.
— إسلام الأمازيغ لا بالإكراه — من المهم أن نذكر أن الإسلام لا يقوم على الإكراه، فقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وكتب التاريخ نفسها تصف دخول الأمازيغ في الإسلام بأنه جاء تدريجيًّا عبر عقود، بعد أن رأوا عدل الفاتحين وسمعوا القرآن وتعلموه، وأن الدولة الأموية حرصت على إرسال علماء من التابعين لتعليمهم، وسيأتي في عهد عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن أرسل عشرة من التابعين إلى إفريقية لتفقيه أهلها، كما يذكر المؤرخون ومنهم ابن عبد الحكم. فالقوة العسكرية فتحت الباب، لكن الذي ثبّت الإسلام هو التعليم والقدوة.
— كلمة في ضعف الروايات — قصة الكاهنة بالذات مثال واضح على صعوبة كتابة التاريخ من مصادر متأخرة: فالمصادر العربية المبكرة قليلة، والرواية البربرية المحلية غير مدونة في زمانها، وما وصلنا كُتب بعد قرون، ويخلط بين الحقيقة والخيال. ولهذا يقتصر الموثوق على أن امرأة اسمها الكاهنة قادت مقاومة لحسان في الأوراس وانتصرت ثم هُزمت. وأما سائر التفاصيل من تحريق الأرض ونبوءتها وأنسابها وأسماء أبنائها ففيها اضطراب كبير، وينبغي أن تُروى مع التنبيه.
— عبرة — قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ في سورة الحجرات، وفي هذه الآية أصل عظيم في التثبت من الأخبار، ومنه نتعلم عند قراءة التاريخ أن نفرق بين الثابت والمنقول بلا إسناد.
