— عبور موسى — بعد انتصار طارق بن زياد في رمضان سنة 92هـ وتقدمه في الأندلس، بلغ موسى بن نصير في القيروان أن الفتح اتسع، وأن طارقًا صار في قلب البلاد. فترك ابنه عبد الله على إفريقية، وعبر المضيق في رمضان سنة 93هـ (حزيران/ يونيو 712م) على رأس جيش يذكر المؤرخون أنه ثمانية عشر ألفًا من العرب، وأكثرهم من القبائل الشامية واليمنية، فكان معه عدد من التابعين وأبناء الصحابة. وهذه الأعداد من رواية المؤرخين المتأخرين، وهي في الجملة مقبولة.
— المدن التي فتحها — سلك موسى طريقًا غير طريق طارق، فمرّ بمدن في الجنوب الغربي: شذونة (مدينة ابن السليم)، وقرمونة، وإشبيلية التي طال حصارها حتى استسلمت، ثم ماردة التي كانت من أمنع حصون الأندلس وأعظمها آثارًا رومانية. وتذكر الروايات أن حصار ماردة طال أشهرًا وأن أهلها صالحوا موسى على شروط في سنة 94هـ، وكان صلحًا قضى بأن تبقى لهم كنائسهم وأملاك من فرّ منهم تؤول إلى المسلمين. وهذه الصورة، أعني ترك الكنائس لأهل البلاد وفرض الجزية عليهم، هي المعتادة في صلح الفتوح، وفيها تطبيق لما قرره الإسلام في أهل الذمة.
— اللقاء مع طارق — التقى موسى بطارق عند طلبيرة (تالافيرا) في وسط شبه الجزيرة. ويذكر ابن عبد الحكم وغيره في بعض الروايات أن موسى عاتب طارقًا لأنه تقدم دون إذنه ولم يتأنّ، وأنه عنّفه وأهانه، وفي بعض الروايات أنه ضربه بالسوط. وهذه الجزئية من الأخبار التي تختلف فيها المصادر اختلافًا ظاهرًا، فمنها ما يخففها ومنها ما يضخمها، ولا نملك ما نقطع به. والقدر المتفق عليه أن علاقة القائدين شابها توتر، وأن موسى قدّم نفسه صاحب الفتح، وأن طارقًا ظل يعمل تحت إمرته بعد ذلك.
— إلى الشمال — تقدم موسى وطارق شمالًا فبلغا سرقسطة وفتحا مدنًا في وادي إبرو، ووصلت السرايا إلى جبال البرانس (البرت) وإلى جليقية في الشمال الغربي. وتتداول كتب كنفح الطيب أن موسى أراد المضي في أرض الفرنجة وسائر أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية ثم الشام من الطريق البري، وأنه قال ما معناه إنه لن يترك الجهاد حتى يلتقي بالقسطنطينية. ولا أصل لهذا القول في المصادر الأقدم، وهو من الأخبار الأدبية، ويذكره المتأخرون على سبيل بيان همته، فنذكره بصيغة: رُوي.
— أمر الوليد بالعودة — تذكر الروايات أن الخليفة الوليد بن عبد الملك استدعى موسى وطارقًا إلى دمشق، وأن موسى تأخر قليلًا ليتم بعض الأعمال. وأرسل الوليد رسولًا يستعجل عودته، وتذكر بعض الكتب اسم مغيث الرومي مولى الوليد رسولًا في ذلك. وكان سبب الاستدعاء بحسب المؤرخين أنه كان يخشى المخاطرة بالجيش وراء البحر، أو بسبب الاختلاف بين موسى وطارق وما بلغه من الخلاف في أمر الغنائم. وهذه التفسيرات من اجتهاد المؤرخين لا من نص ثابت.
— عبد العزيز بن موسى — استخلف موسى على الأندلس ابنه عبد العزيز، وتولى عبد العزيز تثبيت الفتح، واشتهر بالعدل في أول أمره، وصالح كثيرًا من بلاد الشمال. وتروي المصادر أن عبد العزيز تزوج أرملة لذريق، وتسميها الكتب إيلو أو إيجيلونة أو أم عاصم، وأنها حملته على التشبه بالملوك وأن ذلك سبب مقتله. وهذه الرواية فيها اضطراب، ومن الباحثين من يشك في نسبتها ويرى أنها تلفيق لتبرير مقتله، فنقول: رُوي ولم يثبت. والثابت أنه قُتل في سنة 97هـ في إشبيلية على يد من يذكر المؤرخون أنهم جماعة من الجند، ويُنسب الأمر إلى أمر سليمان بن عبد الملك، وهذه النسبة أيضًا لم تثبت ثبوتًا قطعيًّا.
— عودة موسى ومحنته — سار موسى إلى المشرق حاملًا الغنائم، ومعه أسرى كثيرون، فمرّ بالقيروان ثم مصر ثم فلسطين، ووصل دمشق في وقت مرض الخليفة الوليد، وتوفي الوليد سنة 96هـ فتولى سليمان بن عبد الملك. وكان سليمان يضمر الشك في موسى لأن موسى كان من رجال الوليد، وطلب منه أموالًا، وتروي كتب التاريخ أن سليمان غرّمه غرامة كبيرة وأوقفه، وفي بعض الروايات أنه أُوقف في الشمس وأُهين. وتختلف الروايات في مقدار المال وفي كيفية العقوبة، ونحن لا نجزم بشيء من ذلك، وإن كانت الروايات متفقة على أن موسى لقي بعد فتوحه ما يكره، وأنه أُبعد عن الولاية.
— وفاة موسى — توفي موسى بن نصير سنة 97هـ أو 98هـ على اختلاف الروايات، فقيل في وادي القرى وقيل في مكة أو المدينة، وكان قد بلغ نحو الثمانين، وقيل غير ذلك. قال ابن خلكان في ترجمته ما حاصله أن موسى كان من أكابر القواد وأن الراية لم تهزم له قط، وأنه فتح من البلاد ما لم يفتحه غيره في زمانه، وهي عبارة تقريبية في المدح.
— قصة المائدة — يتداول الناس قصة أن طارقًا أخفى رجلًا من مائدة سليمان عليه السلام التي وُجدت في طليطلة ليثبت لموسى أنه هو الذي استخرجها، وأن الخليفة تعجب. وهذه القصة من الإسرائيليات التي لا نقبلها، ولا نذكر منها شيئًا لأنه لا دليل عليها من القرآن ولا من السنة الصحيحة، ولأن مصدرها كتب أدبية متأخرة. فنتركها كلها.
— وقفة — في هذه القصة عبرة في الزهد في المنافسة بين العاملين: تنافس القائدان على فضل الفتح، وكان من الأولى أن يتعاونا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ في سورة الأنفال. ومع ذلك يبقى لهما فضل الجهاد وفتح بلد عظيم، ولا نعلم أن أحدهما خرج عن الإسلام أو أفسد، ولكن ضعف الروايات يمنعنا من تفصيل الأحكام على نياتهم.
