Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

بلاط الشهداء: عبد الرحمن الغافقي بين تور وبواتيه

عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي

— الأندلس في أيام الولاة — بعد الفتح تتابع على الأندلس ولاة كثيرون في سنوات قليلة، بعضهم يقتل أو يعزل بسبب الخلافات القبلية بين العرب قيسية ويمانية، وبين العرب والأمازيغ. وفي هذه الفترة توسع المسلمون شمال جبال البرانس إلى ما يسمى في الكتب العربية الأرض الكبيرة أو بلاد الفرنجة، فاستولوا على ناربونة (أربونة) وجعلوها قاعدة في جنوب فرنسا. وتذكر المصادر اللاتينية أن بعض الغارات بلغت أبواب تولوز.

— من هو الغافقي — عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أمراء الأندلس، ولي أمرها مرتين: ولاية قصيرة سنة 102هـ تقريبًا، ثم ولاية ثانية سنة 112هـ في زمن الخليفة هشام بن عبد الملك. ويصفه الكتاب الأندلسيون بالعدل والشجاعة وحسن السيرة، وقد قضى في ولايته على فتنة قام بها أحد قادة الأمازيغ في إقليم سرداني (سردانية على الحدود)، ويسميه اللاتين منوزة، وقيل إنه تحالف مع دوق أقطانية أودو (Eudes) بالمصاهرة، فسار إليه الغافقي وقضى عليه.

— التقدم نحو الشمال — في سنة 114هـ جمع الغافقي جيشًا كبيرًا، وعبر جبال البرانس، وقاتل أودو دوق أقطانية على نهر الدردوني أو الجارون، فهزمه وفتح بوردو (بردال). وتشير الروايات اللاتينية إلى أن الجيش الإسلامي نهب كنيسة القديس هيلاري في بواتيه، وتتعدد الأعداد التي تذكر لجيش المسلمين وليس لنا ما نطمئن إليه. فاستنجد أودو بشارل مارتل، وهو سيد الفرنجة وصاحب القصر في المملكة الميروفنجية، وكانت بينهما خصومة قديمة، فاضطر أودو إلى طلب المعونة منه.

— المواجهة — جمع شارل جيشه وسار إلى الجنوب، ويحدد المؤرخون المعركة في موضع بين مدينتي تور وبواتيه في أكتوبر سنة 732م، الموافق رمضان سنة 114هـ تقريبًا. وتسميها المصادر العربية بلاط الشهداء، والبلاط معناه الطريق المبلطة أو القصر، فربما سميت بذلك لوجود طريق رومانية معبدة في المنطقة. وتذكر الوقائع اللاتينية (وقائع سنة 754م) أن الفرنجة صفّوا صفوفهم في موضع مرتفع كالجدار لا يتحرك، وأن القتال دام عدة أيام، وأن الغافقي قُتل في المعركة.

— انسحاب المسلمين — تذكر الروايات اللاتينية أن المسلمين انسحبوا في الليل، وأن الفرنجة وجدوا المعسكر خاليًا في الصباح، فاحتاطوا خوفًا من كمين ثم أدركوا أن العدو انسحب. أما المصادر العربية فتصف الأمر بإيجاز، وتتكلم عن مقتل الغافقي وعن اضطراب الجيش. ويفسر المؤرخون ما حدث بأسباب منها: أن الجيش كان محملًا بالغنائم الكثيرة مما حدّ حركته وأضعف حماسته للقتال، وأن الخلافات بين العرب والأمازيغ داخل الجيش كانت قائمة، وأن مقتل القائد أحدث إرباكًا. وهذه أسباب يذكرها المؤرخون استنتاجًا، وليست نصوصًا قاطعة.

— أثر المعركة — يختلف المؤرخون المحدثون في تقدير أثر المعركة: فبعضهم يراها أنقذت أوروبا من الإسلام كما قال جيبون، وآخرون يرونها مجرد غارة كبيرة ولم تكن هدفها إقامة حكم دائم، وأن المسلمين استمروا بعدها في مناطق ناربونة عقودًا. فنقول إن القراءة المتوازنة أن الأمر معركة مهمة لكن المبالغة في وصفها بأنها حسمت مصير قارة لا تثبت. وتجدر الإشارة إلى أن المسلمين بقوا في الأندلس ثمانية قرون.

— ما بعد المعركة — لم يلبث العرب في الأندلس أن دخلوا في فتن داخلية، فثارت قبائل الأمازيغ في المغرب سنة 122هـ على يد ميسرة المطغري، وانتقل أثر الثورة إلى الأندلس، وجاء بعد ذلك صراع العرب أنفسهم بين القيسية واليمانية. ثم جاء دخول عبد الرحمن الداخل سنة 138هـ وبداية الإمارة الأموية، وهو موضوع قصة أخرى.

— اسم الأوروبيين وبداية التسمية — من الطرائف التي يذكرها دارسو تلك الوقائع اللاتينية أن مدونة سنة 754م استعملت في وصف المنتصرين كلمة الأوروبيين، ويراها بعض الباحثين من أقدم المواضع التي ظهر فيها هذا الاستعمال. ويصف الكاتب المسلمين بالعرب. وهذه الإشارة تفيد أن النص كُتب من وجهة نظر الطرف المنتصر، فلا يُنتظر منه الإنصاف التام، كما أن الروايات العربية لم تهتم بتسجيل الحدث، لأن أخبار الأندلس كانت تُدوَّن بعد عقود طويلة.

— درس القرآن في الغنائم والدنيا — في سورة آل عمران عتاب للمؤمنين بعد أُحد على ما وقع منهم من فشل وتنازع حين مال بعضهم إلى الغنيمة، وفيها أن منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. وليس لنا أن نجزم بأن سبب انسحاب الجيش في بلاط الشهداء هو هذا المعنى نفسه، فقد ذكرنا أن المؤرخين يتكلمون عن ثقل الغنائم، لكنها قاعدة عامة: الجيش الذي يتعلق بالدنيا يضعف أمام جيش يدافع عن أرضه وبيته.

— الإنصاف في التقدير — من المناسب أن ندعو للغافقي وأمثاله ممن ماتوا في سبيل الله بالرحمة، فقد قال الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ في سورة الأحزاب. لكننا لا نقول إن كل ما جرى في تلك الحملة كان صوابًا، فنهب الكنائس إن حدث فيخالف وصية الإسلام بحماية دور العبادة لأهل الذمة، ولا نملك أن نثبت أو ننفي حدوثه إلا بحسب ما ينقل الخصوم.

— تنبيه على المصادر — المصادر العربية لهذه المعركة قليلة ومختصرة (كنفح الطيب والبيان المغرب)، وأكثر التفاصيل من المصادر اللاتينية التي كتبها خصوم المسلمين، فينبغي قراءتها بحذر لما فيها من التضخيم والتحيز، ولا نقبل منها إلا ما وافق المعقول وتقاطعت فيه المصادر.

العبرة

العدل والشجاعة لا يغنيان عن الوحدة؛ فقد يُهزم الجيش القوي حين يشغله المال وتفرقه العصبيات، ويجب الإنصاف في قراءة أخبار الخصوم.

المصدر: نفح الطيب للمقري، البيان المغرب لابن عذاري، الكامل لابن الأثير، وقائع سنة 754م اللاتينية (المصدر الأقدم من الجانب الآخر)؛ والقرآن الكريم: سورة الأحزاب (آية رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه).

الدرجة: وقوع المعركة سنة 114هـ ومقتل الغافقي ثابت في كتب التاريخ؛ أما الأعداد والتفاصيل ونهب الكنيسة وتأثير المعركة الحضاري فمختلف فيه ومنقول عن مصادر الخصوم.