Islamic MixIslamic Mix
‹ الفتوحات والدولة الأموية والعباسية
الفتوحات والدولة الأموية والعباسيةموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

أسد بن الفرات: القاضي الذي قاد أسطولًا إلى صقلية

أسد بن الفرات

— طالب علم رحّال — هو أسد بن الفرات بن سنان، من علماء المالكية في إفريقية. ولد سنة 142هـ على أرجح الأقوال، وقيل في حران من الجزيرة، وينسب أصله إلى خراسان، وانتقل أبوه به صغيرًا إلى القيروان، فنشأ فيها. وطلب العلم في إفريقية على علمائها ثم رحل إلى المشرق، فسمع الموطأ من الإمام مالك بن أنس رحمه الله في المدينة، ثم قصد العراق فأخذ عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني من أصحاب أبي حنيفة، ثم سافر إلى مصر وأخذ عن عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك. وجمع بين فقه أهل الحديث وفقه أهل الرأي، وكتب كتابه المشهور الأسدية، وهي مسائل جمعها على طريقة العراقيين وفقه مالك، فكانت الأصل الذي بنى عليه سحنون المدونة بعد أن راجعها مع ابن القاسم.

— القاضي — عاد أسد إلى القيروان، وتولى قضاءها سنة 204هـ في عهد الأمير الأغلبي زيادة الله بن إبراهيم الأول، وبقي قاضيًا. وكان الأغالبة أمراء إفريقية من قبل العباسيين، يحكمون بحكم ذاتي واسع، وعاصمتهم القيروان. وقد ذكرت كتب التراجم أنه كان عالمًا زاهدًا شديدًا في الحق، وأن حكمه لم يأخذه فيه الأمراء.

— جزيرة صقلية — كانت صقلية بيد البيزنطيين، وهي جزيرة كبيرة في وسط البحر المتوسط تجاور إفريقية، وقد غزا المسلمون سواحلها قبل ذلك. وفي أيام الأمير زيادة الله حدث في الجزيرة نزاع أدى إلى أن قائدًا بيزنطيًّا اسمه أوفيميوس (أفيمي في المصادر العربية) ثار على الإمبراطور، وأعلن نفسه إمبراطورًا، وقاتله خصم له يسمى بلاطة (Balata)، فهزمه، فلجأ إلى الأغالبة يطلب المساعدة. وتذكر المصادر أن زيادة الله استشار أهل الرأي في القيروان، فمنهم من خالف خوفًا من العاقبة، ومنهم من وافق، واجتمع الرأي على الغزو. وهذا ما ذكره ابن الأثير والنويري وغيرهم مع بعض الاختلاف في تفاصيل الاستشارة.

— القاضي قائد الجيش — اختار زيادة الله أسد بن الفرات قائدًا للحملة، وبقي مع ذلك قاضيًا، فكان يجمع بين القيادة والقضاء، وهذا من أعجب ما في الأمر: عالم فقيه يقود جيشًا. وتذكر الكتب أن أسدًا لما أُمّر على الجيش خطب فيهم، ووعظهم، وذكرهم بالله والجهاد، وأن الناس خرجوا معه من المتطوعة وغيرهم. وتذكر الروايات أن الجيش بلغ نحو عشرة آلاف راجل وسبعمئة فارس، في مئة سفينة تقريبًا، وهي أرقام ذكرها ابن الأثير وغيره، ويصعب الجزم بدقتها.

— الإبحار والنزول — أقلع الأسطول من سوسة في ربيع الأول سنة 212هـ (حزيران/ يونيو 827م)، ونزل في موضع قرب مازر (Mazara) في الجنوب الغربي من صقلية. وتذكر المصادر أن جيش أسد التقى بجيش بلاطة في معركة قرب نهر (يظنه الباحثون نهر البلاطنو)، فهُزم الروم وفرّ بلاطة إلى قلورية في جنوب إيطاليا حيث قُتل بعد ذلك. وتروي كتب المناقب أن أسدًا كان يقرأ سورة يس على المقاتلين، وأنه حمل الراية بنفسه، وهذه الرواية مذكورة في بعض كتب التراجم المتأخرة ولا نملك لها إسنادًا، فنقول: رُوي.

— حصار سرقوسة — توجه أسد بعد ذلك إلى سرقوسة (سيراكوزة) وهي أعظم مدن الجزيرة، فحاصرها نحو عام. وتذكر المصادر أن الروم وصلهم مدد، وأن المسلمين أصابهم الوباء والجوع في الحصار، ومات منهم كثير. وتوفي أسد بن الفرات في سنة 213هـ أثناء الحرب، وتختلف الأقوال في موضع وفاته بين سرقوسة وغيرها، وفي سببها بين جرح ومرض. ودُفن بعيدًا عن وطنه.

— استمرار الفتح — لم ينته الفتح بوفاة أسد، فقد تابع المسلمون الحرب بعده، وفتحوا بلرم (باليرمو) سنة 216هـ، وجعلوها عاصمة، ثم استمر فتح الجزيرة نحو ثلاثة أرباع قرن حتى سقطت آخر معاقل الروم فيها، وهي طبرمين (تاورمينا) سنة 289هـ (902م). فأقام المسلمون حضارة في صقلية دامت أكثر من قرنين، ازدهرت فيها الزراعة والتجارة والعلم.

— الأسدية والمدونة — من أعظم آثار أسد بن الفرات العلمية الأسدية، وهي كتاب مسائل جمعها من أقوال علماء الحجاز والعراق ومصر، ونقلها عنه تلاميذه في القيروان. ثم رحل سحنون بن سعيد إلى مصر فعرضها على عبد الرحمن بن القاسم، فرجع ابن القاسم عن بعض ما فيها، وصحّح سحنون الكتاب وأعاد ترتيبه فصار المدونة الكبرى، وهي أصل المذهب المالكي في المغرب. ويذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك أن بين أسد وسحنون خلافًا في هذا الأمر في بعض الروايات، لكن النتيجة العلمية أن القيروان صارت من أعظم مراكز الفقه المالكي. وكان الأغالبة قد أسس دولتهم إبراهيم بن الأغلب سنة 184هـ في عهد الرشيد، وحكم زيادة الله الأول من سنة 201هـ إلى 223هـ، وفي عهده كان الفتح الأول لصقلية، وهو من أطول فتوحات المسلمين في البحر المتوسط.

— وقفة — ما يلفت في قصة أسد أن العالم لم ينفصل عن حياة أمته، فجمع بين العلم والجهاد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ في سورة الحج. وفي الوقت نفسه لا ينبغي المبالغة في تصويره، فقد كان قائدًا في جيش تحت إمرة أمير، والأمر السياسي بيد زيادة الله الأغلبي.

— تنبيه على المصادر — اعتمدنا على الكامل لابن الأثير وترتيب المدارك للقاضي عياض ورياض النفوس للمالكي والبيان المغرب لابن عذاري، ومعظمها متأخر عن الحادثة، فالأعداد والتفاصيل تقريبية، وبعض الأخبار في المناقب مبالغ فيها.

العبرة

العالم الصادق قد يجمع بين العلم والجهاد خدمة لأمته، ولا يعتمد التاريخ على المبالغات في المناقب بل على الثابت منه.

المصدر: الكامل في التاريخ لابن الأثير، ترتيب المدارك للقاضي عياض، رياض النفوس للمالكي، البيان المغرب لابن عذاري، نهاية الأرب للنويري؛ والقرآن الكريم: سورة الحج (الجهاد في الله).

الدرجة: فتح صقلية على يد أسد بن الفرات سنة 212هـ ووفاته أثناء الحصار سنة 213هـ ثابتان في كتب التاريخ والتراجم؛ أما الأعداد وتفاصيل المعارك وقراءة سورة يس وموضع الوفاة فمختلف فيها أو مروية بلا إسناد قوي.