— الفكرة والمأمون — كان المأمون متأثرًا بالمعتزلة، وهم فرقة كلامية تقدم العقل وتقول إن القرآن مخلوق، أي أن كلام الله مخلوق. ويذكر الطبري أن المأمون أظهر القول بخلق القرآن سنة 212هـ، ثم في سنة 218هـ، وهو في الرقة في طريقه لغزو الروم، كتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائبه ببغداد كتابًا يأمره فيه بامتحان القضاة والمحدثين في القول بخلق القرآن، وتشدد في ذلك، وأمر بحمل من امتنع إلى الخليفة. وهذه هي المحنة المشهورة. وأهل السنة يقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منزل منه بدا وإليه يعود، وهو ما دلت عليه النصوص وإجماع السلف، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ في سورة التوبة.
— موقف العلماء — تذكر الكتب أن كثيرًا من العلماء أجابوا تحت الإكراه والخوف على أنفسهم، ومنهم من ثبت، وأشهرهم أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح. وقد أجاز الله النطق بكلمة الكفر عند الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ في سورة النحل. ولذلك لم يعب الإمام أحمد في الجملة على من أجاب تقية، على ما تذكره الروايات، لكنه كان يرى أن الثبات أعظم عزيمة. وهذا موضع الدقة: العزيمة والرخصة.
— الطريق إلى المأمون — أمر المأمون بحمل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح مقيدين إلى طرسوس في آسيا الصغرى، فساروا في الطريق، وتذكر الروايات أن محمد بن نوح كان يشجع أحمد ويوصيه بالثبات، ثم توفي في الطريق، وصلى عليه أحمد، على ما رواه ابنه صالح بن أحمد ومن بعده. ثم بلغهم خبر وفاة المأمون في رجب سنة 218هـ قرب طرسوس، فأعيد أحمد إلى بغداد وسُجن. وكان المأمون قد أوصى أخاه المعتصم بالاستمرار في الامتحان. والروايات في تفاصيل هذه الرحلة منقولة عن صالح ابن الإمام وعن حنبل بن إسحاق، وهي مشهورة، لكن لا نستطيع الجزم بكل ألفاظها.
— أمام المعتصم — تولى المعتصم الخلافة سنة 218هـ واستمر في المحنة، وجرت مناظرات بين أحمد وبين رجال الدولة وقاضي القضاة ابن أبي دؤاد، وهو معتزلي كان له أثر كبير على الخليفة. وتذكر الروايات أن أحمد كان يقول لهم: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ حتى أقول به. وهذه الجملة تروى في ترجمته في كتب كثيرة منها سير أعلام النبلاء، وهي تعبّر عن منهجه، فهو لا يقبل إلا بدليل من الوحي. ثم جلد أحمد في رمضان سنة 220هـ، على ما ذكره المؤرخون، والروايات في عدد الجلدات متفاوتة، ولذلك لا نذكر عددًا. وكان يغشى عليه ويُحمل، ثم أطلق وأعيد إلى بيته بعد حبس طويل تذكر بعض الروايات أنه تجاوز عامين.
— الواقعة المشهورة — من الروايات التي نقلها صالح ما حاصله أنه كان على أحمد سروال انحل عند الجلد فكاد ينكشف، فدعا الله، فثبت السروال. وهذه حكاية مشهورة في كتب التراجم، لكنها مما يُروى في الكرامات، فنقول: رُوي ولم يثبت بإسناد قوي، ونحن لا نحتاج إليها لإثبات فضل الإمام.
— الواثق والمتوكل — استمر العمل بالمحنة في خلافة الواثق (227-232هـ) وقتل في عهده أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله سنة 231هـ لامتناعه عن القول بخلق القرآن وخروجه على الدولة ببغداد، على ما ذكره الطبري. ثم تولى المتوكل سنة 232هـ، وأبطل المحنة سنة 234هـ، وأظهر السنة، وأكرم أهلها، وصار الإمام أحمد مرجعًا للناس. وتوفي أحمد سنة 241هـ ببغداد، وقيل إن جنازته شهدها جمع هائل. ويروى عن الإمام أحمد قوله: بيننا وبين أهل البدع يوم الجنائز، لكن نسبة هذه العبارة إليه فيها كلام بين العلماء، فبعضهم ينسبها إليه وبعضهم إلى غيره، فنقول: ذُكر.
— حجة أهل السنة وغيرهم من الصابرين — ذكر العلماء في الاستدلال على أن القرآن كلام الله غير مخلوق قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرّق بين الخلق والأمر، والقرآن من كلام الله وأمره فلا يدخل في الخلق، وهذا الوجه من الاستدلال نُقل عن بعض السلف كابن عيينة وغيره. وقد تعرض للمحنة غير أحمد من العلماء: فمات نعيم بن حماد المروزي في السجن سنة 228هـ، على ما ذكره المؤرخون، لامتناعه، ويذكر أن يوسف بن يحيى البويطي، تلميذ الإمام الشافعي، مات في سجن بغداد مقيدًا سنة 231هـ لامتناعه عن القول بخلق القرآن. فلم يكن أحمد وحده، لكنه صار علمًا لثباته وطول مدة المحنة في حياته.
— الدروس — أولًا أن العالم قد يتعرض للأذى بسبب الدفاع عن الحق، وأن الثبات يعطي الأمة مرجعية. ثانيًا أن الإكراه رخصة، وأن من أجاب تقية لا يكفَّر ولا يجوز التشنيع عليه. ثالثًا أن استخدام الدولة قوتها لفرض مقولة كلامية على العلماء خطأ، لأن حرية العلماء في بيان الحق أصل. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ في سورة البقرة.
— تنبيه على المصادر — أخبار المحنة من الطبري والكامل والبداية والنهاية، ومن سيرة الإمام أحمد التي كتبها ابنه صالح، ومن مناقب أحمد لابن الجوزي، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وهي مصادر تعظم الإمام، فنذكر الوقائع المشهورة ونتحفظ في الجزئيات.
