— إمام الكوفة في الحديث — هو أبو سفيان وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، وُلد سنة تسع وعشرين ومئة، ونشأ في الكوفة، وكانت يومئذ من أعظم مراكز العلم في الإسلام؛ فيها نزل كثير من الصحابة، وفيها ابن مسعود وأصحابه، وفيها نشأت مدرسة الفقه التي عرفت لاحقًا بمدرسة الرأي، وفيها كذلك حفّاظ الحديث. فتلقّى وكيع عن سفيان الثوري وشعبة وهشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش وغيرهم، وبلغ في الحفظ والإتقان مبلغًا جعله شيخ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم.
— شهادة الإمام أحمد — ومن أشهر ما ورد في ثناء الأئمة عليه ما ذكره الذهبي في «السير» عن الإمام أحمد بن حنبل، وقد جلس إلى وكيع كثيرًا، أنه قال في معنى كلامه: ما رأيتُ أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع. وجاء عنه أيضًا أنه قال: عليكم بوكيع فإنه إمام المسلمين في وقته. وهو ثناء كبير من إمام لم يكن يتساهل في المدح. ويضاف إلى ذلك أن أحمد كان يفضّل رواية وكيع عن الثوري على غيره، لأنه كان يحفظ حديثه حفظًا متقنًا. ويُذكر أن وكيعًا كان معروفًا بصحة كتبه وضبطها.
— أدب أهل العلم عنده — وتُنسب إليه عبارات في أدب طالب الحديث، منها ما ذكره أهل التراجم في معنى كلامه أن أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأن أهل الأهواء إنما يكتبون ما يوافق أهواءهم. وهي عبارة تدل على أن الأمانة العلمية عنده شرط لصحة الطلب، وأن من جمع الأحاديث لينتقي منها ما يؤيد قوله فليس بطالب علم حقيقة. وهذا المعنى مروي عنه في كتب التراجم بألفاظ متقاربة، ولا نجزم بلفظ بعينه.
— الورع قبل الحفظ — وكان من العلماء العابدين، فقد ذكر أهل التراجم أنه كان كثير الصيام والقيام والذكر، وأنه كان يُعرف بالصلاح والتقشف. وقد رُوي أنه عُرض عليه القضاء فامتنع، ولم نحرر إسناد ذلك.
— الأبيات المنسوبة إلى الشافعي — ومن أشهر ما يتصل باسم وكيع أبيات يتناقلها الناس، تُنسب إلى الإمام الشافعي أنه قال فيها إنه شكا إلى وكيع سوء حفظه فأرشده إلى ترك المعاصي، وأخبره أن العلم نور وأن نور الله لا يُهدى لعاصٍ. وهذه الأبيات مشهورة جدًا، وقد أوردها ابن القيم وغيره، لكن لم نقف على إسناد ثابت لها يصلها بالشافعي، فلا نقطع بنسبتها إليه. ومعناها صحيح من جهة الدين، فقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ في سورة البقرة، والآية تدل على أن التقوى سبب لتعليم الله العبد. وجاء في المعنى أيضًا حديث ثوبان رضي الله عنه: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» رواه ابن ماجه وأحمد، وفي إسناده كلام وقد حسّنه بعض أهل العلم، ولا يتعلق بالعلم وحده بل بالرزق عمومًا.
— وفاته — خرج وكيع للحج سنة ست وتسعين ومئة، فلما عاد توفي في الطريق عند موضع يقال له فيد، في المحرم من سنة سبع وتسعين ومئة، وله ثمان وستون سنة على ما ذكر المؤرخون، وكان الإمام أحمد يترحّم عليه ويذكره بخير.
— ما يستفاد — وروايته في الكتب الستة كثيرة، حتى لا يكاد يخلو منها كتاب من دواوين السنة المعتمدة. حياة وكيع تصلح أن تكون مثالًا لطالب العلم: حفظ متقن، وكتب مضبوطة، وصلاح ظاهر، وانتقاء في الرواية، وصدق في النقل. ويتبين من سيرته أن العلم ليس موهبة ذهنية فحسب، بل هو عمل متراكم، فلم يبلغ أن يكون شيخ الأئمة إلا بطول المجالسة والإتقان.
— ما قاله المفسرون في التقوى والعلم — والآية التي أوردناها في سورة البقرة خُتمت بها آية الدَّين، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾. وقد ذكر المفسرون كابن كثير والسعدي أنها وعد من الله لمن اتقاه أن يعلمه ويفتح عليه، وأن العلم النافع من ثمار التقوى. ونظيرها قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾، وفسّر السعدي الفرقان بأنه علم وهدى يفرق به العبد بين الحق والباطل. فمن هنا فُهم معنى الأبيات المشهورة، ولو لم يثبت إسنادها: أن المعاصي حجاب بين العبد وبين نور العلم والفهم.
— ما بقي من كتبه — وقد ترك وكيع كتبًا وأجزاء من رواياته، منها كتاب «الزهد» وهو مطبوع معروف، جمع فيه آثارًا وأحاديث في الزهد والرقائق، وروايته حاضرة في مصنفات أصحابه، لا سيما «المصنف» لأبي بكر بن أبي شيبة، فقد أكثر فيه من الرواية عن شيخه وكيع. وفي هذا بيان لأثر الحفظ الصحيح حين يُسلَّم للتلاميذ: إنه يبقى في كتبهم وإن تفرقت الأجيال.
— تنبيه على الدرجة — ثناء الإمام أحمد عليه، وتاريخ وفاته في طريق الحج، وكونه من كبار شيوخ الأئمة، كل ذلك مشهور في كتب التراجم. أما الأبيات المنسوبة للشافعي فمشهورة ولا نعرف لها إسنادًا ثابتًا، فيقال إنها تُنسب إليه ولا يُجزم بها. وعبارته عن أهل العلم وأهل الأهواء ثابتة المعنى مختلفة اللفظ. وحديث ثوبان في الرزق حسنه بعضهم وأعلّه آخرون، ونورده شاهدًا للمعنى لا حجة مستقلة.
