— تلميذ الإمام وقاضي الرشيد — هو القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان وأكبر تلاميذه، وبه انتشر مذهب الكوفة في الآفاق. وفي هذه القصة نتتبع سيرته وكتابه إلى الرشيد من كتب التراجم والتاريخ.
— أبو يوسف: من فقير في الكوفة إلى قاضي القضاة — هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وُلد في الكوفة سنة ثلاث عشرة ومئة، ونشأ في أسرة فقيرة، وطلب العلم عند محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثم لزم الإمام أبا حنيفة سنين طويلة، حتى صار أكبر تلاميذه وأنشرهم لعلمه. وتذكر كتب المناقب أن أبا حنيفة كان يرعاه ويعينه، ولم نحرر إسناد تلك الأخبار. وولي القضاء ببغداد في خلافة المهدي ثم الهادي، ثم عُيّن في عهد هارون الرشيد قاضي القضاة، ويقال إنه أول من لُقّب بهذا اللقب، فكان يولّي القضاة في أنحاء الدولة. وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومئة ببغداد.
— رأي أحمد فيه — ومن اللافت أن الإمام أحمد بن حنبل، وهو من أهل الحديث، ذكر أنه كتب الحديث أول ما كتب عن أبي يوسف، وقال إنه كان منصفًا في الحديث. وهذا مذكور في ترجمته عند الخطيب البغدادي وغيره. وهذه شهادة مهمة تبين أن أبا يوسف لم يكن صاحب رأي مجرد، بل كان له اشتغال بالرواية، وإن اختلف أهل الحديث في ضبطه.
— الرشيد يطلب كتابًا — وفي أيامه كثرت الأموال الواردة إلى بيت المال، وتعددت صور الخراج والعشور والصدقات والجزية، وأشكلت أحكامها على العمال وعلى الخليفة. فطلب هارون الرشيد من أبي يوسف أن يضع له كتابًا جامعًا في ذلك، فكتب «كتاب الخراج». وفي مقدمته، بمعنى ما فيها، أن أمير المؤمنين سأله أن يضع له كتابًا جامعًا يعمل به في جباية الخراج والعشور والصدقات والجوالي وغير ذلك، وأنه أراد بذلك رفع الظلم عن رعيته والصلاح لأمورهم.
ثم بدأ أبو يوسف بنصيحة الخليفة قبل الدخول في الأحكام، وفحوى ما قاله أن الله قد قلّد أمير المؤمنين أمرًا عظيمًا ثوابه أعظم الثواب وعقابه أشد العقاب، وأنه سبحانه قلّده أمر هذه الأمة، فينبغي أن يبني على التقوى، وأن ينظر في أمور الرعية نظرًا لا غفلة فيه. ويتفق هذا المعنى مع ما اشتهر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من التخوف من التقصير في حق الرعية، ومنه ما رُوي أنه قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضياعًا لخشيت أن يسألني الله عنها. وهذه العبارة مشهورة عن عمر في كتب الزهد والسير بألفاظ متقاربة، ولا ندّعي أن أبا يوسف ساقها في كتابه.
— آية للحكام — ومن الآيات التي يحسن استحضارها هنا قول الله تعالى لنبيه داود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من سورة ص. وقد ذكر المفسرون كابن كثير أن في هذه الآية وصية لولاة الأمور بالحكم بالعدل واجتناب الهوى. ونحن لا ندّعي أن أبا يوسف ساقها بعينها في كتابه، وإنما هي من نوع النصائح التي كانت تُساق للحكام في هذا الباب.
— المحبوسون وأهل الذمة — ومما اشتهر في كتاب الخراج حثّه الخليفة على تفقّد المحبوسين، بمعنى أن يأمر بالنظر في أحوال من في السجون، فمن كان عليه حق أُخذ منه، ومن لم يكن عليه شيء أُطلق، وأن يُجرى على المسجونين ما يقوتهم. ومما فيه كذلك التوصية بالرفق بأهل الذمة، وألا يُكلفوا فوق طاقتهم ولا يُعذَّبوا في جباية الجزية. وهذا يوافق ما رواه مسلم في صحيحه من حديث هشام بن حكيم رضي الله عنه أنه مرّ بالشام على أناس من الأنباط قد أُقيموا في الشمس وصُبّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذَّبون في الخراج. فقال: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا». وقد استشهد بنحو هذا العلماء في باب الجزية. ولا نقطع هنا بأن أبا يوسف ساق الحديث بلفظه، لكن مضمون كتابه موافق لمعناه.
— موقف المتأمل — وقد تعرض أبو يوسف لنقد بعض أهل العلم لقربه من السلطان، فمن العلماء من كان يرى في مخالطة الخلفاء خطرًا على الدين. ومن المنصفين من قال إن قربه من الرشيد جعل لعلم الفقه أثرًا في نظام الدولة، وإن كتابه نصيحة قائمة. وفي هذا مثال على أن المسألة فيها تفاصيل، وأن النظر إلى النية والعمل معًا هو الميزان. والحكم النهائي إلى الله.
— من أقواله وكتبه — صنّف أبو يوسف كتبًا منها «الخراج» و«الرد على سير الأوزاعي» و«اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى»، وهي من أقدم كتب الفقه المقارن المدوّنة. ويُروى عنه أنه قال: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب. وهو أثر مشهور في كتب التراجم ينسب إليه، ولا نقف على إسناد محرر له، فنورد معناه نقلًا: أن في كل علم أصلًا يُلزَم، وأن الاشتغال بالفضول والغرائب والجدل قد يضر بدين صاحبه. وفي معناه ما رواه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» قالها ثلاثًا، قال النووي في شرحه إن المتنطعين هم المتعمقون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.
— تنبيه على الدرجة — ترجمة أبي يوسف ووفاته سنة اثنتين وثمانين ومئة وكونه قاضي القضاة مشهورة في كتب التاريخ. ومقدمة كتاب الخراج ثابتة المضمون، والمقصود المعنى لا اللفظ. وقول أحمد فيه مشهور في كتب التراجم. وأثر عمر في سخلة الفرات مشهور في كتب الزهد والسير وفي سنده كلام. وحديث هشام بن حكيم صحيح (مسلم). أخبار رعاية أبي حنيفة له لم نحرر أسانيدها. والكلام على موقف النقاد من قربه من السلطان اجتهاد في توصيف موقف مشهور. وأثر «من طلب المال بالكيمياء» ينسب إليه بلا إسناد محرر عندنا. وحديث «هلك المتنطعون» رواه مسلم.
