Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

يزيد بن هارون: حافظ واسط وإمام القيام في آخر الليل

الإمام يزيد بن هارون الواسطي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— إمام واسط — هو أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، وُلد سنة ثماني عشرة ومئة، وتوفي بواسط سنة ست ومئتين، وله نحو ثمان وثمانين سنة. أخذ عن سليمان التيمي وحميد الطويل ويحيى بن سعيد الأنصاري وهشام الدستوائي وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وخلق. وقد أثنى عليه الأئمة بالحفظ والإتقان، فنقل الخطيب والذهبي عن الإمام أحمد أنه قال في معنى كلامه: كان يزيد بن هارون حافظًا متقنًا للحديث، صحيح الحديث. ووثقه ابن معين وغيره.

— قوله في محفوظه — ويُروى عنه أنه قال في سياق بيان سعة حفظه: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسنادها لا أحلف عليها، وأحفظ للشاميين عشرين ألفًا لا أسأل عنها. ومعنى ذلك أنه يحفظ الأسانيد والمتون. وهذه العبارة مروية في التراجم، ولا نقف على إسناد محرر لها، ولذلك نوردها نقلًا لا حكمًا، وقد سبق أن العدّ عند المحدثين يشمل الطرق المتعددة. والمقصود هو عظم حفظ الرجل عند أقرانه وأصحابه.

— عبادته — وذكر المترجمون أنه كان من العباد، يكثر من قيام الليل، وحُكي أنه صلى الصبح بوضوء العشاء مدة طويلة من عمره، ويُروى ذلك في عدد من السنين لا نحرره. وهذه الأخبار مشهورة في كتب التراجم لكنها بلا إسناد محرر عندنا. والذي يهمنا منها المعنى الذي أثنى الله عليه في كتابه حيث قال في سورة الذاريات في وصف المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال ابن كثير في تفسيرها إنهم كانوا يقومون من الليل ويستغفرون الله في الأسحار. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». وهذا الحديث يُحيي الهمة في قيام آخر الليل.

— مجلسه وعلمه — وكان مجلس يزيد بواسط مجلسًا يقصده الطلاب، وكان واسع المحفوظ. وقد ذهب بصره في آخر عمره على ما ذكر الذهبي. ولا نقف على تفاصيل عدد الحاضرين في مجلسه، فلا نذكر عددًا. وقد عاش يزيد في زمن الرشيد ثم الأمين ثم المأمون، ومات قبل ظهور محنة خلق القرآن التي بدأت سنة ثماني عشرة ومئتين، فلم يدركها.

— الحفظ نعمة وأمانة — والحفظ نعمة يمتن الله بها على عباده، وقد قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، وقد ذكر ابن كثير في تفسيرها أن القرآن محفوظ في صدور أهل العلم. وإذا كان هذا في القرآن فإن حفظ السنة في الصدور والكتب هو من حفظ الدين. وفي الحديث المتفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ». فوفاة العلماء الحفاظ مصيبة على الأمة، ولذلك كان أهل العلم يعدّون موت إمام من الأئمة ثلمة في الإسلام. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». وصحة الحافظ وفراغه ينفعان الأمة إذا أحسن استعمالهما.

— الأدب مع السنة — كان الأئمة يجعلون الإسناد جزءًا من الدين، وكان يزيد ممن اعتنى بحفظ الأسانيد والمتون. وفي الحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والحفاظ الأمناء الذين بلغوه كما سمعوه هم من أهل هذه الدعوة بالنضارة، إن شاء الله.

— مجالس العلم — وقد رغّب النبي ﷺ في مجالس القرآن والعلم، فروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه ﷺ قال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». وهذا الفضل يشمل مجالس الإملاء والتحديث التي كان يعقدها أئمة الحديث، متى كان القصد وجه الله.

— وفاته — توفي يزيد بن هارون رحمه الله بواسط في ربيع الأول سنة ست ومئتين على المشهور. وقد بقيت أحاديثه في الصحيحين وكتب السنة، وبقي ذكره في كتب الحفاظ.

— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته وشيوخه وتلاميذه وثناء أحمد وابن معين مشهورة في التراجم. وعباراته في عدد ما يحفظ وصلاته الصبح بوضوء العشاء بلا إسناد محرر عندنا، وتذكر نقلًا. وحديث نزول الرب في الصحيحين، وحديث نضر الله امرءًا صححه الترمذي.

العبرة

الحفظ والإتقان أمانة تحفظ بها السنة، وقيام آخر الليل زاد أهل العلم والإيمان.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة يزيد بن هارون)؛ تاريخ بغداد للخطيب؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث النزول)؛ سنن الترمذي وأبي داود وابن ماجه (حديث نضر الله امرءًا)؛ سورة الذاريات؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: ترجمته ووفاته وثناء أحمد مشهورة؛ ما نُقل عنه في عدد محفوظاته وصلاته الصبح بوضوء العشاء بلا إسناد محرر؛ الأحاديث المذكورة صحيحة أو حسنة صحيحة