Islamic MixIslamic Mix
‹ علماء القرون الأولى
علماء القرون الأولىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

شريك بن عبد الله القاضي: الهروب من القضاء وشدته على أهل الأهواء

القاضي شريك بن عبد الله النخعي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

— فقيه الكوفة وقاضيها — هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي، وُلد سنة خمس وتسعين، وتوفي بالكوفة سنة سبع وسبعين ومئة. وهو من فقهاء الكوفة ومحدثيها، أخذ عن سلمة بن كهيل وأبي إسحاق السبيعي والأعمش وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم يحيى بن آدم ووكيع وغيرهما، وولي القضاء في زمن العباسيين. ووصفه ابن حجر في «تقريب التهذيب» بأنه صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع. وهذه عبارة جامعة نستفيد منها أن الرجل في الدين والعدل والعبادة بمكان، وأن ما أُخذ عليه إنما هو من جهة الضبط في الرواية.

— وظيفة القضاء في ميزان الشرع — لا يفهم موقف الأتقياء من القضاء إلا من عظم الأمر في الشرع. فقد أمر الله تعالى بالعدل في الحكم فقال في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾. وروى أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»، وصححه جماعة من أهل العلم. ومعناه، كما بيّن الشراح، أن القاضي معرّض لخطر عظيم في دينه إن لم يعدل. وروى أبو داود وابن ماجه من حديث بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». ولذلك كان كثير من الأئمة يتهيبون القضاء ويهربون منه، كأبي حنيفة وسفيان الثوري.

— قصة الخصال الثلاث — وتروي بعض كتب التاريخ والتراجم أن الخليفة المهدي أراد شريكًا على القضاء فتمنّع، فقال له: لا بد أن تختار إحدى ثلاث: القضاء، أو أن تحدّث أولادي وتعلّمهم، أو أن تأكل عندي أكلة. فرأى شريك أن الأكلة أخف الثلاث، فاختارها، فصنعوا له طعامًا فاخرًا، ولما أكله قال الطباخ للخليفة ما معناه إنه لن يفلح بعد هذه، فاضطر بعد ذلك إلى الاثنتين الأخريين. وهذه القصة مشهورة، ولكنا لا نقف لها على إسناد قوي، وهي أقرب إلى الطرائف التي يتناقلها المؤرخون، فلا نبني عليها شيئًا. والمقصود أن الرجل كان يتهيب القضاء، وهذا هو الثابت من حاله إجمالًا: أنه ولي القضاء بعد تمنع.

— العدل حتى مع المخالف — وأعظم ما يُطلب من القاضي العدل، وقد قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾، قال ابن كثير في تفسيرها إن المعنى لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم بل الزموا العدل في كل أحد. وروى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ... الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا». فهذا هو الميزان الذي يُقاس به القاضي، لا بكثرة الرواية ولا بشهرة الاسم.

— الشدة على أهل البدع — وصفه الذهبي وابن حجر بأنه كان شديدًا على أهل البدع، وفي هذا معنى مدح لدى أهل السنة، فقد أمر النبي ﷺ باتباع سنته وسنة الخلفاء الراشدين وحذر من المحدثات. وروى أبو داود والترمذي من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون... وفيه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، وصححه الترمذي. ولا يعني ذلك العدوان على الناس بغير حق، فالشدة على أهل البدع تكون ببيان الحق وردّ الباطل بالحجة، لا بالظلم.

— تغير الحفظ بعد القضاء — ومن الدقة العلمية أن النقاد ذكروا أن حفظ شريك تغير بعد توليه القضاء، وهذا يبين أن الرواية تحتاج إلى فراغ وضبط، وأن الاشتغال بالقضايا قد يؤثر في الحفظ. ولذلك أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به منفردًا في الأصول. ومن أمثلة دقة النقد أن أهل الحديث لا يردون الراوي لأنه أخطأ، بل يبيّنون موضع خطئه ويقبلون ما وافق فيه الثقات.

— وفاته — توفي شريك بالكوفة سنة سبع وسبعين ومئة، رحمه الله. وكان يجمع العدل في القضاء والعبادة والفقه، وكان من أكثر القضاة شهرة في الكوفة. وإذا كان القضاء مزلقة لمن لم يتق الله، فالقاضي العادل في الميزان عظيم الأجر، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «إِمَامٌ عَادِلٌ».

— تنبيه على الدرجة — مولده ووفاته وعمله بالقضاء ووصف ابن حجر مشهوران في التراجم. وقصة الخصال الثلاث ضعيفة الإسناد أو بلا إسناد، وتذكر على سبيل الطرفة. وأحاديث القضاء رواها أصحاب السنن وصححها جماعة، وحديث العرباض صححه الترمذي، وحديث الإمام العادل متفق عليه.

العبرة

القضاء أمانة ثقيلة يتهيبها الأتقياء، والعدل فيه ينفع صاحبه يوم القيامة، وكثرة الأشغال قد تؤثر في ضبط العالم.

المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة شريك)؛ تقريب التهذيب لابن حجر؛ تاريخ بغداد للخطيب؛ سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه (كتاب الأقضية، أحاديث القاضي)؛ سنن أبي داود والترمذي (حديث العرباض بن سارية)؛ صحيح البخاري ومسلم (السبعة الذين يظلهم الله)؛ سورة النساء

الدرجة: ترجمته ووصف ابن حجر مشهور؛ قصة الخصال الثلاث لا إسناد قويًّا لها وتذكر كطرفة؛ أحاديث القاضي صححها جماعة؛ حديث العرباض صححه الترمذي؛ حديث الإمام العادل متفق عليه