البداية: فتى من بلاد فارس
سلمان الفارسي رضي الله عنه من أبناء بلاد فارس، وقد روى هو نفسه خبر نشأته وبحثه عن الحق، ورواه الإمام أحمد في المسند وابن إسحاق في السيرة بسياق طويل. ومما جاء في هذه الرواية أنه نشأ في أسرة مجوسية في أصبهان، وأن والده كان شديد التعلق به، وأنه كان مجتهدًا في المجوسية حتى صار قائمًا على النار التي يوقدونها. وهذا التفصيل الطويل في سياقه الكامل أدنى درجة من الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، فنرويه هنا بصيغة النقل عنه مع التنبيه على ذلك.
يروي سلمان أنه مرّ بكنيسة للنصارى فسمع أصواتهم في صلاتهم فأعجبه أمرهم، وقال في نفسه إن هذا الدين خير من دينه، فسأل عن أصل هذا الدين فقيل له إنه بالشام. ثم تحول عن بلده إلى الشام وصحب راهبًا هناك. وهذا الجزء من القصة هو مبدأ رحلة طويلة جعلته ينتقل من معلم صالح إلى آخر حتى صار إلى بلاد العرب.
من سيد إلى سيد
ثبت في صحيح البخاري عن سلمان رضي الله عنه أنه تداوله بضعة عشر ربًّا من ربّ إلى ربّ، أي أنه انتقل بين عدد من الملاك والسادة. وفي الرواية الطويلة عند أحمد أنه أُخذ إلى بلاد العرب فبيع في المدينة المنورة، وكان لرجل من اليهود من بني قريظة. وفي صحيح البخاري أيضًا من حديث سلمان أن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة.
وفي الرواية الطويلة أن معلمه الأخير من النصارى أخبره أن زمان نبي يُبعث بدين إبراهيم عليه السلام قد أظل، وأنه يخرج في أرض ذات نخل بين حرّتين، وذكر له علاماته: أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وأن بين كتفيه خاتم النبوة. فلما صار سلمان في المدينة عمل في نخل سيده، وجعل ينتظر ويسأل.
لقاء النبي ﷺ والتحقق من العلامات
لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، جاءه سلمان بشيء من الطعام وقال إنه صدقة، فأمر النبي ﷺ أصحابه بالأكل ولم يأكل منه. ثم جاءه في يوم آخر بطعام وقال إنه هدية، فأكل منه النبي ﷺ وأكل أصحابه. فعرف سلمان علامتين من العلامات الثلاث. ثم رأى خاتم النبوة بين كتفي النبي ﷺ حين كان في جنازة بالبقيع، فأسلم رضي الله عنه. هذا هو سياق القصة في رواية أحمد وابن إسحاق كما ذكرنا، وليس من المتفق عليه في الصحيحين.
المكاتبة والعتق
كان سلمان لا يزال مملوكًا، فأخبر النبي ﷺ بأمره، فكاتب سيده على مال عظيم من النخل والذهب. وفي رواية أحمد أن النبي ﷺ أمر أصحابه بإعانته، فأعانوه بالنخل، وغرس النبي ﷺ بيده، وفي بعض الروايات أنه أعطاه قطعة من الذهب فوُزنت فكانت وافية بما عليه. وهذا التفصيل أيضًا من الرواية الطويلة، والمقصود منه أن سلمان عُتق بمعونة النبي ﷺ وأصحابه، ثم صار حرًّا يشهد المشاهد مع النبي ﷺ. وقد قيل إنه لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لأنه كان رقيقًا، وأول مشاهده الخندق، والله أعلم.
الخندق واقتراح الحفر
اشتهر في كتب السير أن سلمان أشار على المسلمين يوم الأحزاب بحفر الخندق حول المدينة، وأن هذا من تدابير الفرس في الحرب. وهذا الخبر مشهور في كتب السيرة والمغازي، وليس في الصحيحين نصٌّ صريح على أن الاقتراح كان من سلمان، فنذكره على سبيل الشهرة لا على سبيل الجزم. أما حفر الخندق نفسه وبروك الصخرة والنبي ﷺ يضربها فثابت في الصحيح من حديث جابر والبراء.
ومما يُروى أن المهاجرين والأنصار تنازعوا في سلمان، كل فريق يقول هو منا، فقال النبي ﷺ: سلمان منا أهل البيت. وهذا الحديث رواه الحاكم والطبراني وغيرهما، وإسناده ضعيف جدًّا عند كثير من المحققين، فلا يُحتج به، ولا نبني عليه شيئًا.
الثريا والفضل
ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأُنزلت عليه سورة الجمعة، فلما قرأ ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ قيل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه حتى سأله ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع النبي ﷺ يده على سلمان وقال: لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء. وفي رواية: لناله رجل من هؤلاء. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث فضل أهل فارس في العلم والدين، وأن الفضل بالإيمان لا بالنسب.
الأخوّة والنصح: سلمان وأبو الدرداء
آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما. وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة أن سلمان زار أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فسألها فقالت إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فصنع أبو الدرداء طعامًا وقال لسلمان: كُلْ فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل. فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، فقال له سلمان: نم، فنام. ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. ثم قال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى أبو الدرداء النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: صدق سلمان.
الزهد والعمل في خلافة عمر
تذكر كتب الطبقات، ومنها طبقات ابن سعد، أن سلمان وُلّي المدائن في خلافة عمر رضي الله عنه، وأنه كان يعيش على عمل يده، وأن عطاءه كان يتصدق به. ونحن ننقل ذلك عن الطبقات، وبعض أسانيده فيها مقال، لكن مضمونه متسق مع ما ثبت من زهده ونصحه. ومما اشتهر عنه أنه كان يرى للمسلمين أن يتبعوا ما ثبت عن النبي ﷺ ولا يغلوا.
ومن المشهور في كتب الفقه الحنفي أن سلمان كتب إلى قوم من الفرس فقرأوا لهم الفاتحة بالفارسية، وهذه رواية ذكرها بعض الفقهاء ولم يعتمدها المحدثون اعتمادًا قويًّا، فلا نجعلها ركنًا في سيرته.
الوفاة
توفي سلمان رضي الله عنه في خلافة عثمان رضي الله عنه على الراجح، وقيل في خلافة عمر، وقيل غير ذلك. وأما ما يُنسب إليه من أعمار طويلة جدًّا، كمائتين وخمسين سنة، فلم يثبت، وقد ضعّفه أهل العلم، فلا نذكر له سنًّا. وثبت عنه أنه بكى عند موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن يكون بلاغ أحدنا كزاد الراكب. رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وصحح إسناده بعض المحققين.
هكذا انتهت رحلة رجل خرج يبحث عن الحق من أرض فارس، فمرّ بالرق والغربة، حتى وجد الإسلام وعاش به وعلى هديه، وكان من الذين أثنى عليهم النبي ﷺ.
