قبيلة على طريق القوافل
هو جُندب بن جُنادة الغِفاري رضي الله عنه، من قبيلة غِفار، وكانت منازلهم على طريق قوافل قريش المتجهة إلى الشام، وكان لقبيلته عند الناس سمعة في قطع الطريق. بلغه في أرضه أن رجلًا ظهر في مكة يزعم أنه نبي، فأرسل أخاه أُنيسًا ليأتيه بخبره. ثم رجع أنيس وقال له كلامًا مجملًا: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر. فلم يشفِ ذلك أبا ذر، فحمل زاده وسقاءه وسار إلى مكة بنفسه. وقصة إسلامه رواها البخاري من حديث ابن عباس، ورواها مسلم من حديث أبي ذر نفسه بتفصيل أوفى، فنجمع بين الروايتين.
أيام في المسجد الحرام
وصل أبو ذر مكة ولم يكن يعرف النبي ﷺ، وكره أن يسأل عنه خشية أن يكون أحد من أعدائه. فبقي في المسجد يشرب من ماء زمزم، حتى مرّ به علي بن أبي طالب رضي الله عنه فعرف أنه غريب، فاستضافه وبات عنده ولم يسأله عن شيء ولم يخبره بشيء. وفي رواية مسلم أنه مكث نحو ثلاثين يومًا ليس له طعام إلا ماء زمزم، فسمن حتى تكسّرت عُكَن بطنه، وما وجد على كبده سخفة جوع، وأن النبي ﷺ قال عن زمزم إنها مباركة، وإنها طعام طُعم، وفي رواية أخرى: وشفاء سقم. وهذا ثابت في صحيح مسلم.
ثم عاد علي في اليوم الثاني والثالث، ثم سأله: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟ فأخذ عليه العهد والميثاق أن يرشده، ثم أخبره. فقال علي: إنه حق وإنه رسول الله، فإذا أصبحتَ فاتبعني، فإن رأيتُ شيئًا أخاف عليك قمتُ كأني أريق الماء، فإن مضيتُ فاتبعني. ففعل حتى دخل على النبي ﷺ، فسمع منه وأسلم رضي الله عنه من يومه. فقال له النبي ﷺ: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري.
الصرخة بين ظهراني قريش
قال أبو ذر: والذي نفسي بيده لأصرُخَنّ بها بين ظهرانيهم. فجاء المسجد ونادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فثار القوم فضربوه حتى أضجعوه. فأتاه العباس بن عبد المطلب فأكبّ عليه وقال لهم: ويلكم، ألستم تعلمون أنه من غِفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم. ثم عاد في اليوم التالي فصنع مثل ذلك وضربوه، فأنقذه العباس. هذا في صحيح البخاري.
إسلام قومه
رجع أبو ذر إلى قومه وأخبر أخاه أنيسًا، فقال أنيس: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت. ثم أسلمت أمهما. ثم دعوا غِفارًا فأسلم بعضهم، وقال بعضهم: نمكث حتى يقدم رسول الله ﷺ المدينة فنسلم. فلما قدم النبي ﷺ المدينة أسلم من بقي. وقال النبي ﷺ: غِفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله. رواه البخاري ومسلم. ثم قدم أبو ذر المدينة بعد أن مضت بدر وأحد والخندق، ولزم النبي ﷺ.
الصدق وسرعة العتاب
روى الترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر. وقد صحح الحديث الألباني وحسّنه الترمذي.
ومع هذا الصدق كان فيه حدّة، وقد ثبت في صحيح البخاري أنه عيّر رجلًا بأمه، فقال له: يا ابن السوداء. فشكاه الرجل إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا ذر، أعيّرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية. ثم قال: إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليُطعمه مما يأكل وليُلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم. فروى الراوي أن أبا ذر كان بعد ذلك يلبس عبده مثل ما يلبس. وفي القصة أن أبا ذر لم يستنكف أن يعود إلى الحق حين نُبّه.
نصائح النبي ﷺ له
روى مسلم أن أبا ذر قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبه ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. وفي رواية لمسلم أيضًا: يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم.
وروى مسلم عنه أن النبي ﷺ قال له: إذا طبخت مرقةً فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك. وفي الصحيحين أنه سأل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله وجهاد في سبيله.
وفي البخاري أنه قال: كنت مع النبي ﷺ في حرّة المدينة عشاءً، فاستقبلنا أحد، فقال: يا أبا ذر، ما أحب أنه تحول لي ذهبًا يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث، إلا دينارًا أرصده لدين. وكان هذا الحديث من أسباب نظرته إلى المال.
تبوك
تذكر كتب السيرة، ومنها سيرة ابن إسحاق، أنه تخلّف بعيره في الطريق إلى تبوك فحمل متاعه على ظهره ومشى حتى لحق، وأن النبي ﷺ قال: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده. وهذا الخبر في إسناده انقطاع وضعف، فلا نجزم بنسبة القول إلى النبي ﷺ، وإن اشتهر على الألسنة.
الخلاف في الكنز
ثبت في صحيح البخاري عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبَذة فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه، فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾، قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم. وكان بيني وبينه في ذلك كلام، فشكاني إلى عثمان، فكتب إليّ عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك. فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحّيت فكنت قريبًا. فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيًّا لسمعت وأطعت.
وهذه الرواية الصحيحة تبيّن أن أبا ذر لم يكن خارجًا على الإمام، ولم يُنفَ نفيًا، وإنما اختار الاعتزال بإذن عثمان وبأقرب منزل، وأنه قرّر الطاعة لولي الأمر ولو كان حبشيًّا. أما ما شاع من روايات أطول في بعضها طعن في عثمان أو معاوية رضي الله عنهما، فأكثرها لا يثبت، والواجب الإمساك عمّا شجر بين الصحابة.
الوفاة
توفي أبو ذر رضي الله عنه في الرَّبَذة سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة على المشهور. وتذكر كتب الطبقات أن زوجته بكت عند موته، وأن ابن مسعود رضي الله عنه حضر دفنه وهو راجع من العراق، وأنه ذُكّر عندها بما قيل إن النبي ﷺ قاله في تبوك. وهذا السياق فيه ضعف ولا يثبت بإسناد صحيح، فنكتفي بذكره تنبيهًا.
عاش أبو ذر صادقًا في عيشه، زاهدًا في مال الدنيا، صريحًا في قوله، وقد رأى النبي ﷺ ضعفه عن الإمارة فدلّه على ما يصلحه، فلزم العلم والزهد حتى لقي ربه.
