Islamic MixIslamic Mix
‹ سير كبار الصحابة
سير كبار الصحابةموثّقمدة القراءة نحو ٥ دقائق

أسامة بن زيد رضي الله عنهما: حِبّ رسول الله ﷺ وأمير الجيش الشاب

أسامة بن زيد رضي الله عنهما

نسبه

أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي ثم المدني رضي الله عنهما، يُكنى أبا محمد وقيل أبا زيد، وأمه أم أيمن بركة مولاة النبي ﷺ وحاضنته. أبوه زيد بن حارثة الذي ذكره الله باسمه في القرآن في سورة الأحزاب. نشأ في بيت النبي ﷺ وشبّ على الإسلام، وكان يُقال له: حِبّ رسول الله ﷺ وابن حِبّه، أي محبوبه وابن محبوبه.

وضمّه مع الحسن

روى البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه كان يأخذه والحسن بن علي رضي الله عنهما فيقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما». وفي رواية في البخاري عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثم يضمّنا ثم يقول: «اللهم ارحمهما فإني أرحمهما». وفي هذا بيان لحنان النبي ﷺ على الصغار، وللحب المعلن لأبناء الصحابة.

الرحمة التي يجعلها الله في القلوب

روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه أن ابنًا لي قُبض فأتِنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمّى، فلتصبر ولتحتسب». فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرُفع إلى رسول الله ﷺ الصبي ونفسه تتقعقع، ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». قال أسامة: فكنت من الحاضرين. وفيه أن البكاء الذي لا نياحة معه ولا اعتراض على القدر رحمة لا يُنكَر.

الذي قتل من قال لا إله إلا الله

روى البخاري ومسلم عن أسامة رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرَقة من جُهينة، فصبّحنا القوم فهزمناهم، ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفّ عنه الأنصاري، وطعنتُه برمحي حتى قتلتُه. فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ، فقال لي: «يا أسامة، أقتلتَه بعد ما قال لا إله إلا الله؟» قلت: يا رسول الله إنما كان متعوّذًا. فقال: «أقتلتَه بعد ما قال لا إله إلا الله؟» فما زال يكررها عليّ حتى تمنيتُ أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. وفي رواية مسلم أنه قال: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟». وقد قال النووي رحمه الله إن الحكم على الناس بظاهرهم، والله يتولّى السرائر، وبه ربط العلماء هذه القصة بقوله تعالى في سورة النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا﴾. وسبب نزول الآية مروي في الصحيح عن ابن عباس في قصة رجل أخر، ويُستفاد منها حكم يشمل قصة أسامة.

لا شفاعة في حدود الله

وفي الصحيحين أن قريشًا أهمّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبّ رسول الله ﷺ. فكلّمه أسامة، فقال النبي ﷺ: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ثم قام فاختطب فقال: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». فهذا الحب العظيم لم يمنع النبي ﷺ من إقامة الحد، وفيه عدل لا يستثني قريبًا ولا محبوبًا.

ردف النبي ﷺ يوم الفتح

روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح على راحلته وأسامة بن زيد رديفه، ومعه بلال وعثمان بن طلحة الحجبي، فأناخ في المسجد وأمر عثمان بالمفتاح، فدخل الكعبة هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة وأغلقوا عليهم الباب، فصلى في الكعبة. قال ابن عمر: فسألتُ بلالًا حين خرج: ما صنع النبي ﷺ؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى. وقد ذُكر في الروايات أن أسامة كان أيضًا ردف النبي ﷺ في حجة الوداع من عرفة إلى مزدلفة، كما في الصحيحين.

أمير الجيش وهو شاب

اشتد برسول الله ﷺ مرضه الأخير وقد أمّر أسامة على جيش لغزو الروم، وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قُتل أبوه زيد في مؤتة. فطعن بعض الناس في إمارته لصغر سنه، وكان له بين السابعة عشرة والعشرين على اختلاف الروايات. فخطب النبي ﷺ الناس فقال، كما في صحيح البخاري: «إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده». ثم توفي النبي ﷺ وأسامة قد خرج بالجيش معسكرًا بالجرف، فارتدت العرب، وأشار بعض الصحابة على أبي بكر رضي الله عنه بحبس الجيش، فقال أبو بكر: لا أحلّ لواءً عقده رسول الله ﷺ، ولو أن الطير تخطّفنا والسباع من حول المدينة. فمضى الجيش، ويذكر ابن كثير وغيره أنه عاد بعد نحو أربعين يومًا ظافرًا سالمًا.

عطاؤه عند عمر

روى الترمذي بإسناد حسن غريب عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمئة، وفرض لابن عمر في ثلاثة آلاف. فقال ابن عمر: لِمَ فضّلتَ أسامة عليّ؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد. قال: لأن زيدًا كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فآثرتُ حب رسول الله ﷺ على حبي. فهكذا كان الفاروق يوزن بميزان قرب النبي ﷺ.

موقفه من الفتنة

اعتزل أسامة رضي الله عنه الفتنة بين علي ومعاوية، ولم يقاتل مع أحد من الطرفين. وروى البخاري ومسلم في قصة تأخره عن الكلام العلني إلى عثمان، حين قيل له: ألا تكلّم عثمان؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم؟ إني أكلمه في السر دون أن أفتح بابًا لا أكون أول من فتحه. فالنصيحة عنده سرٌّ وأدب، لا إعلان واستعداء. ثم قال: ولا أقول لرجل إن كان عليّ أميرًا إنه خير الناس بعد ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «يُجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار» الحديث. وفيه خوفه على نفسه من التزكية.

وفاته

بنى أسامة داره في المدينة وانتقل آخر عمره إلى الجرف، وتوفي في أواخر خلافة معاوية رضي الله عنه نحو سنة أربع وخمسين، ودُفن بالمدينة، على أشهر الأقوال في وفاته. وقد روى عنه الصحابة والتابعون أحاديث عن النبي ﷺ. ويبقى ذكره في الأمة مقترنًا بالمحبة النبوية التي لم تمنع الحق ولم تنقطع بالوفاة، فيما تعلم الأجيال أن مقام الشاب في الإسلام يُقاس بصدقه وكفاءته لا بسنّه.

العبرة

حب الحق مقدّم على حب القريب، ومن جعله النبي ﷺ أميرًا وهو شاب علّمنا أن الكفاءة والإخلاص يرفعان صاحبهما، وأن لا إله إلا الله حرمة لا يهدرها ظنّ.

المصدر: صحيح البخاري: المغازي (قصة الحرقة وبعث أسامة) والحدود (المخزومية) وفضائل الصحابة والجنائز والحج؛ صحيح مسلم: الإيمان والفضائل والجنائز؛ سنن الترمذي: المناقب؛ تفسير ابن كثير (النساء 94)؛ البداية والنهاية؛ الطبقات لابن سعد؛ الإصابة لابن حجر

الدرجة: قصة الحرقة وقصة المخزومية وضمه مع الحسن وبعث أسامة وحديث الابنة المحتضرة وردف النبي ﷺ يوم الفتح ثابتة في الصحيحين؛ وفرض عمر له عند الترمذي بإسناد حسن؛ وتاريخ وفاته واختلاف عمره عند البعث من أخبار التراجم المختلف فيها، ونُبّه عليها.