مولده ونشأته
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رضي الله عنهما، ابن عم رسول الله ﷺ، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية أم الفضل، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنهن. وُلد بالشِّعب قبل الهجرة بثلاث سنين على ما ذكره ابن سعد وغيره، حين كان بنو هاشم محصورين في شِعب أبي طالب. وتوفي النبي ﷺ وهو غلام قريب من البلوغ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: أقبلتُ راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار. ولذلك اختلف الرواة في عمره عند الوفاة بين عشر وثلاث عشرة وخمس عشرة، والصحيح أنه قارب البلوغ.
دعاء النبي ﷺ له
روى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعتُ له وضوءًا، فقال: «من وضع هذا؟» فأُخبر، فقال: «اللهم فقّهه في الدين». وروى البخاري في كتاب العلم أن النبي ﷺ ضمّه إلى صدره وقال: «اللهم علّمه الكتاب». وروى أحمد وابن حبان زيادة: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل»، وصحّحها جمع من أهل العلم. والتأويل هنا: تفسير القرآن ومعانيه. فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فصار ابن عباس أعلم الأمة بتفسير كتاب الله.
ليلة عند خالته ميمونة
روى البخاري ومسلم عنه قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث، وكان النبي ﷺ عندها في ليلتها، فقام النبي ﷺ يصلي من الليل، فقمتُ عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه. وفي هذا الحديث الذي رواه الشيخان استنبط العلماء أحكامًا في الإمامة وموقف المأموم الواحد والتنفل جماعة وغيرها، لكن تعنينا هنا ثلاث دلالات: أن ابن عباس كان حريصًا على أن يرى ويتعلم صلاة النبي ﷺ من قرب، وأن النبي ﷺ كان يعلّمه بالفعل لا بالقول وحده، وأنه حفظ عنه ذلك ورواه.
يا غلام احفظ الله
روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن عباس قال: كنتُ خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «يا غلام، إني أعلّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف». وزاد أحمد: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة». وقد جعلها العلماء من جوامع الكلم في التوحيد، وشرحها ابن رجب في جامع العلوم والحكم.
مجلس عمر
كان عمر رضي الله عنه يُدخل ابن عباس مع أشياخ بدر. ففي صحيح البخاري أن بعضهم قال: لِمَ تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم. فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾؟ فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له، قال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، وذلك علامة أجلك، ﴿فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. فهذا فهم دقيق للآية: أن إتمام الدعوة علامة قرب الأجل، فيُختم العمل بالتسبيح والاستغفار.
أدب في طلب العلم
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: مكثتُ سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجًّا فخرجتُ معه، فلما رجع وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفتُ حتى فرغ ثم سرتُ معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. ثم أخذ عمر يحدّثه بالقصة. فيها عظيم أدب التلميذ مع شيخه وصبره على السؤال، وأنه لا يسأل في غير موضعه.
ترجمان القرآن
لُقّب ابن عباس بحبر الأمة وترجمان القرآن. وروى ابن سعد وغيره عن ابن مسعود قوله: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. وقيل في أسانيد هذا الأثر مقال، لكن شهرة هذا اللقب ثابتة عند أهل العلم. ونُقل عن ابن مسعود أيضًا: لو أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. وذكر ابن سعد أنه كان يجعل لكل علم يومًا في مجلسه: يومًا للفقه، ويومًا للتأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا للشعر، ويومًا لأيام العرب. ويستعمل في التفسير لغة العرب وأشعارها، وقد أخرج الطبري في تفسيره الكثير من آثاره، وهي من أهم مصادر التفسير بالمأثور. ويُنبَّه إلى أن بعض ما يُنسب إليه من تفسير في كتب متأخرة بأسانيد واهية، ولا سيما ما يُنسب إليه باسم تنوير المقباس، فلا يُعتمد.
مناظرة الخوارج
لما خرجت الحرورية على علي رضي الله عنه واعتزلت بحروراء، أرسل إليهم ابن عباس، فلبس أحسن حلة وقصد إليهم، فعابوا عليه لباسه، فرد عليهم بقوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. ثم ناظرهم في ثلاث مسائل: التحكيم، وقتال علي دون سبي، ومحو اسمه من إمرة المؤمنين. وروى النسائي في الكبرى والحاكم أن منهم ألفين رجعوا بعد مناظرته، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وفي ألفاظ الرواية اختلاف في تفاصيل المحاورة وعدد من رجع، فلا نزيد فيها.
أواخر عمره
وُلّي ابن عباس البصرة لعلي رضي الله عنه، وذهب بصره في آخر عمره. وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين للهجرة على المشهور، وله نحو إحدى وسبعين سنة. وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات ربّاني هذه الأمة، كما ذكر ابن سعد، ومعنى الرباني كما نقله البخاري عن ابن عباس: الذي يربّي الناس بصغار العلم قبل كباره. وسيبقى ابن عباس رضي الله عنهما شاهدًا على أثر دعوة النبي ﷺ حين دعا لغلام صغير فصار علمه سراجًا يُستضاء به في التفسير والفقه.
