مقدمة: حدث في الحرم لا يُنسى
من أشد الفواجع التي مرّت بالبيت الحرام بعد الإسلام ما وقع في موسم الحج سنة سبع عشرة وثلاثمائة للهجرة، حين دخل زعيم القرامطة أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي مكة المكرمة بجيشه، وقتل الحجاج في الحرم، واقتلع الحجر الأسود من مكانه وحمله إلى بلاده في الأحساء (هجر). والقرامطة فرقة باطنية خرجت من غلاة الإسماعيلية، عدّهم علماء المسلمين من أهل الضلال والإفساد، وكانوا قبل ذلك قد أغاروا على بعض مدن العراق وقطعوا طرق الحجيج. وقد ذكر هذه الحادثة المؤرخون الكبار كابن الأثير وابن كثير والذهبي، وهي من الأخبار المستفيضة المشهورة في كتب التاريخ.
الدخول إلى مكة يوم التروية
تذكر كتب التاريخ أن أبا طاهر وصل إلى مكة يوم التروية، أي الثامن من ذي الحجة، والناس قد قدموا للحج وهم في أمن البيت الحرام. فلم يكن مع أهل مكة والحجاج قدرة على صدّه، وعجز أمير مكة وجنده عن المقاومة، فدخل القرامطة المسجد الحرام بالسلاح واستباحوا الناس، فقُتل جماعة من الحجاج وهم في الطواف وعند الكعبة، وتذكر الروايات أن بعض الناس تعلقوا بأستار الكعبة فلم يسلموا. ونقل ابن كثير وغيره أن القتلى طُرحوا في بئر زمزم وفي أرجاء الحرم، وأن أبا طاهر نطق بكلمات كفر وتحدٍّ، وهي أقوال تُنقل عنه في كتب التاريخ، ولا يخفى أن أمثال هذه العبارات تحتاج إلى حذر في نقل ألفاظها حرفيًا، لكن اتفقت الكتب على فظاعة ما فعل.
اقتلاع الحجر الأسود
ثم عمد القرامطة إلى الحجر الأسود فاقتلعوه من ركن الكعبة، وانتزعوا باب الكعبة وكسوتها وما استطاعوا حمله، وأخذوا الحجر معهم إلى هجر. ويذكر المؤرخون أن الحجر بقي عندهم نحو اثنتين وعشرين سنة، وأن الخلفاء العباسيين وغيرهم حاولوا استرداده ببذل المال فأبوا، حتى ردّوه سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. وينقل بعض المؤرخين عن زعيمهم يومئذ عبارة معناها أنهم أخذوه بأمر وردّوه بأمر، وفي صحة نسبتها نظر، وهي من أخبار التاريخ التي لا يُعتمد على ألفاظها. وحين أُعيد إلى الكعبة وُجد مكسورًا قطعًا، فجُمع وأُحكم بالفضة، وهو على هذه الحال المعروفة إلى يومنا، محفوظ بإطار فضي في ركن الكعبة.
ويذكر المؤرخون أن الحج اضطرب في تلك السنين بسبب خوف الطرق، وأن الناس كانوا يصلّون ويطوفون ويتعبدون والركن خالٍ، ولم يمنع ذلك من صحة الطواف والحج، لأن الطواف عبادة لله تعالى حول البيت لا للحجر ذاته.
موقف الشرع من الحجر الأسود
ثبت في الحديث أن الحجر الأسود من الجنة، فقد روى الترمذي وأحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم»، وحسّنه الترمذي وصححه جمع من أهل العلم. وثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبّل الحجر وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبّلك ما قبّلتك. فتعظيم الحجر إنما هو اتباع للسنة، لا اعتقاد في الحجر نفسه نفعًا ولا ضرًا، وهذا هو الدرس الذي تؤكده الحادثة: فالحجر مخلوق، ومنزلته من الشرع، والتوحيد أعظم من كل رمز.
الحرم وحرمة الدماء فيه
في القرآن الكريم بيان حرمة البيت وأمنه، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت]، وقال: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج]. وقد بيّن المفسرون كابن كثير أن من همّ بالسيئة في الحرم استحق العقوبة، ونقل ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، فكيف بمن ارتكب القتل وانتهاك الحرمة بالفعل. وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة إن الله حرّم مكة ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلّت لي ساعة من نهار. وفي الصحيحين أيضًا خبر أن الكعبة سيخربها في آخر الزمان ذو السويقتين من الحبشة، وذلك من أشراط الساعة، ولم يقع في زمن القرامطة، بل بقي البيت والحجر شاهدين على سنة الله في حفظ بيته.
دروس لا تُؤخذ من التاريخ وحده
يتساءل بعض الناس: كيف سُلّط القرامطة على بيت الله وقد جعله الله حرمًا آمنًا؟ وجواب العلماء أن الأمن الشرعي مأمور به الناس، وقد يقع من الظالمين ما يخالفه ابتلاءً وامتحانًا، ثم يردّ الله كيدهم، كما رُدّ الحجر وبقي البيت. وتذكر كتب التاريخ أن مصير أبي طاهر كان سيئًا، وأنه أصيب بمرض شديد وهلك، وأن القرامطة ضعفوا بعده وزالت دولتهم في الأحساء بعد عقود، وهذا يُذكر على سبيل الاعتبار وليس نصًا قطعيًا في تفصيل نهايته.
وفي الحادثة عبرة في أن الباطل مهما استقوى لا يغيّر حقيقة الدين، وأن حماية مقدسات الأمة مسؤولية تتحملها الأمة كلها، وأن الفرقة وضعف الدولة العباسية في ذلك العصر كانت سببًا في عجز الأمة عن حماية الحجيج.
بيان الدرجة
أصل الحادثة (دخول القرامطة مكة سنة 317 هـ، والقتل في الحرم، واقتلاع الحجر، وردّه سنة 339 هـ) ثابت مشهور في كتب التاريخ المعتبرة. أما ألفاظ أبي طاهر وبعض تفاصيل القتل والأعداد وما حُكي من خوارق تتعلق بحمل الحجر فمتفاوتة الرواية ولا يصح الجزم بها، وقد تركنا الأعداد عمدًا. وأما حديث نزول الحجر من الجنة فحسّنه الترمذي، وخبر تقبيل عمر في الصحيحين.
