مقدمة: الجبهة الشرقية للروم
في سنة ثلاث وستين وأربعمائة للهجرة جرت معركة ملاذكرد (مَنازكرد)، في الأناضول الشرقي قرب بحيرة وان، بين جيش السلاجقة بقيادة السلطان ألب أرسلان وجيش الإمبراطور البيزنطي رومانوس الرابع ديوجينس. وهي من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، إذ فتحت الباب أمام استقرار المسلمين في بلاد الأناضول، وقد ذكرها ابن الأثير في «الكامل» وابن كثير في «البداية والنهاية».
سبب الخروج
كان ألب أرسلان متوجهًا إلى الشام ومصر لمحاربة الفاطميين، فبلغه أن إمبراطور الروم خرج بجيش عظيم نحو بلاد المسلمين في الشرق. فرجع السلطان من حلب بجنده وتوجه إلى الحدود، ولم يكن معه من العدد ما يقابل عدد الروم، فبعث بالرسل يطلب المهادنة، فرفض الإمبراطور، فعزم على القتال. هكذا تذكر كتب التاريخ، مع اختلاف يسير بين المؤرخين في ترتيب بعض الوقائع.
اختيار يوم الجمعة
من أشهر ما يُروى في هذه المعركة أن ألب أرسلان استشار فقيهه أبا نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي (كما ذكر ابن الأثير)، فأشار عليه بأن يكون اللقاء يوم الجمعة عند الزوال، في الساعة التي يخطب فيها الخطباء على المنابر ويدعون للمجاهدين. وهذا الخبر مما انفرد به مؤرخو ذلك العصر، ولا يُعرف له إسناد معتبر، لكنه معقول في سياقه، ويتفق مع تعظيم المسلمين ليوم الجمعة، وقد ثبت في الصحيحين ذكر ساعة في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه. فلا يُجزم بحرفية الرواية، وإنما يُذكر ما تواطأت عليه كتب التاريخ من أن اللقاء كان في يوم جمعة من ذي القعدة.
الصلاة والبكاء قبل اللقاء
وتذكر كتب التاريخ أن السلطان لما التقى الصفّان نزل عن فرسه وسجد لله تعالى ومرّغ وجهه في التراب ودعا الله بالنصر، وبكى، ثم ركب وقد لبس البياض وتطيّب، وقال لجنده كلامًا معناه إنه إن قُتل فهذا كفنه. ونقل ابن الأثير هذه الرواية بألفاظ متقاربة، وكذلك ابن كثير، وأكثر المؤرخين يتفقون على المعنى. ولا نجزم بألفاظ خطبته الحرفية، فهي من الروايات التاريخية المتأخرة، وإنما يثبت المعنى العام وهو الاستعداد للشهادة والتوكل على الله.
وفي القرآن الكريم ما يتفق مع هذا المعنى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران]. وقد فسّر ابن كثير والطبري والسعدي هذه الآيات بأن النصر من عند الله وحده، وأن الأخذ بالأسباب لا ينافي ذلك.
مجرى المعركة
اشتبك الجيشان، وتذكر الروايات أن السلاجقة اعتمدوا على الكر والفر وسرعة الخيل، وأن الروم انكشفوا وانهزموا، ووقع إمبراطورهم رومانوس أسيرًا بيد بعض الجنود الذين لم يعرفوه أول الأمر. وكانت هزيمة قاسية على البيزنطيين. ولا نذكر هنا أعداد الجيشين ولا القتلى، فقد تضاربت فيها الروايات تضاربًا كبيرًا، بين مبالغات في كثرة الروم وقلة السلاجقة، ويصعب التثبت منها.
الإمبراطور بين يدي السلطان
تحكي كتب التاريخ مشهد إحضار الإمبراطور الأسير إلى السلطان، وأن السلطان سأله: ماذا كنت ستفعل بي لو ظفرتَ بي؟ وتتفاوت الروايات في الجواب. ثم عفا عنه وأطلقه بعد صلح وفدية وشروط، وأرسل معه من يحرسه إلى بلاده. وتتفق المصادر على أن السلطان عامله معاملة حسنة، وهذا مما يُحمد في سياق الأخلاق الإسلامية في الحرب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال]، وبيّن المفسرون أن الصلح جائز إذا كان فيه مصلحة المسلمين. أما تفاصيل شروط الصلح والمبلغ فمختلفة في الكتب فلا نذكرها.
ما بعد المعركة
كان لانتصار ملاذكرد أثر بعيد في تاريخ المنطقة، إذ تدفق التركمان إلى الأناضول، وقامت فيها لاحقًا إمارات إسلامية كبرى، ثم انتهى الأمر إلى قيام الدولة العثمانية بعد قرون. وتوفي ألب أرسلان بعد المعركة بنحو عامين مقتولًا على يد أحد الأسرى في مدينة قرب نهر جيحون، كما ذكر المؤرخون، فخلفه ابنه ملكشاه، وبقي نظام الملك وزيرًا يدير شؤون الدولة، وأسّس المدارس النظامية، ومنها مدرسة بغداد التي درّس فيها أبو حامد الغزالي.
السلاجقة ونصرة السنة والاستعداد للمواجهة
لم تكن ملاذكرد حدثًا معزولًا، فقد دخل السلاجقة بغداد قبلها بسنين وأنهوا نفوذ البويهيين على الخلافة العباسية، وصاروا يُعدّون حماة للسنّة ولدار الخلافة، وأنشأ وزيرهم نظام الملك المدارس النظامية التي خرّجت علماء كثيرين. وفي هذا السياق يفهم المؤرخون خروج السلطان لمواجهة الروم على أنه من واجبات سلطان المسلمين في حماية الثغور. وقد أمر الله بالإعداد فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال]، وبيّن المفسرون أن القوة تشمل كل ما يُتقوّى به من عدة وتدريب، وأن الاعتماد في النهاية على الله لا على العدة.
ومن الإنصاف أن يُقال إن بعض المؤرخين المحدثين ينظرون إلى المعركة من زاوية سياسية بحتة، ويرون أن أثرها المباشر لم يظهر إلا بعد عقود، لكن اتفاق كتب التراجم والتاريخ الإسلامي على اعتبارها نقطة تحول في الأناضول لا خلاف فيه.
بيان الدرجة
وقعة ملاذكرد وأسر الإمبراطور وانتصار السلاجقة ثابتة مشهورة في كتب التاريخ. أما مشورة الفقيه بتحديد يوم الجمعة، ووصف سجود السلطان وبكائه ولبسه البياض، وألفاظ كلامه، وشروط الصلح فهي من أخبار المؤرخين ولا إسناد لها يُعتمد عليه، وبعضها يختلف من مصدر إلى آخر، وقد اقتصرنا على القدر المتفق عليه ونبّهنا على غيره. وأحاديث فضل الجمعة وساعة الإجابة صحيحة في الصحيحين، وهي مجرد استئناس بالسياق.
