Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

ابن كثير: من مجدل إلى دمشق وصاحب التفسير والبداية والنهاية

الحافظ ابن كثير

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: يتيم يشق طريقه

هو عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي، وُلد في قرية مجدل القرية من أعمال بصرى في الشام نحو سنة سبعمائة أو إحدى وسبعمائة للهجرة. توفي أبوه وهو صغير، فانتقل مع أخيه عبد الوهاب إلى دمشق سنة ست وسبعمائة، وهناك نشأ في طلب العلم. وقد ترجم له تلميذه ابن حجي، والحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة»، وابن العماد في «شذرات الذهب»، وغيرهم، وتتفاوت مصادر تحديد سنة ميلاده.

شيوخه

أخذ ابن كثير الفقه الشافعي عن الشيخ برهان الدين الفزاري وكمال الدين ابن قاضي شهبة، وأخذ الحديث عن جماعة منهم الحافظ جمال الدين المزي الذي تزوج ابن كثير ابنته. ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية وتأثر به كثيرًا، كما تأثر بالحافظ الذهبي. ويذكر الحافظ ابن حجر أنه أوذي وامتُحن بسبب محبته لابن تيمية، ولا نملك تفاصيل موثقة في ذلك.

تفسيره: القرآن بالقرآن

كتب ابن كثير تفسيره المسمى «تفسير القرآن العظيم»، وقدم له بمقدمة بيّن فيها منهجه، وقد تأثر فيها بمقدمة ابن تيمية في أصول التفسير. فبيّن أن أصح الطرق في التفسير أن يُفسَّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فُسِّر في موضع آخر. فإن لم يوجد فبالسنة، لأنها شارحة للقرآن ومبينة له. فإن لم يجد فبأقوال الصحابة، لأنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال. ثم بأقوال التابعين. وهذا المنهج في جوهره هو المنهج الذي يقوم عليه التفسير بالمأثور. وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل].

الاهتمام بالتنبيه على الإسرائيليات

ويلاحظ القارئ أن ابن كثير يعتني بالتنبيه على الإسرائيليات، فيقول في كثير من المواضع إنها لا تصح أو إنها من أخبار بني إسرائيل التي لا نصدقها ولا نكذبها، ويرد بعضها، وهذا من ميزة تفسيره على كثير من التفاسير. وقد دلّ على ذلك حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا». وهذا الحديث أصل في التعامل مع الإسرائيليات. لكن مع ذلك لم يسلم التفسير من بعض الأحاديث الضعيفة أو أخبار الإسرائيليات التي مرّت دون تنبيه، فقد تعقبه المحققون في مواضع، وهذا شأن كل بشر.

البداية والنهاية

ألف ابن كثير كذلك كتابه الكبير في التاريخ «البداية والنهاية»، وبدأه من بدء الخلق وقصص الأنبياء، ثم السيرة، ثم تاريخ الإسلام إلى زمنه، ثم ذكر أشراط الساعة وأحوال الآخرة. ويعد من أهم مصادر التاريخ الإسلامي، خصوصًا في وقائع عصر المماليك والتتار الذي عايشه. وقد قرر في مقدمته أنه ينقل من الكتب المعتمدة، ويذكر مصادره، ويميز الصحيح من الضعيف في كثير من المواضع. ومع هذا يجب على القارئ ألا يأخذ كل ما في الكتاب كأنه صحيح، فهو يحتوي على روايات ضعيفة في أخبار الأمم السابقة والمتأخرين، ويحتاج إلى النظر في تحقيقاتها. وأحاديث الفتن وأشراط الساعة فيه تحتاج إلى مراجعة تخريجها.

مؤلفاته الأخرى

ومن مؤلفاته أيضًا «جامع المسانيد والسنن» الذي رتب فيه مسند الإمام أحمد والكتب الستة وغيرها على أبواب الفقه، و«اختصار علوم الحديث» الذي عرف شرحه باسم «الباعث الحثيث» لأحمد شاكر، و«طبقات الشافعية»، و«السيرة النبوية» المختصرة، وكتاب في فضائل القرآن. وولي التدريس في عدد من المدارس، منها دار الحديث الأشرفية.

وصف المترجمين له

وصفه ابن حجي كما نقل ابن حجر بأنه كان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، وأنه اشتغل بالحديث مطالعة في متونه ورجاله، وأن مصنفاته سارت في البلاد في حياته. ويذكر بعض المترجمين أنه ضعف بصره في آخر عمره، وفي ثبوت ذلك خلاف بين كتب التراجم.

وفاته

توفي ابن كثير في دمشق في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة، ودُفن في مقبرة الصوفية بجوار شيخه ابن تيمية، كما أوصى فيما ذكر المترجمون. ولم يزل كتابه التفسير من أكثر كتب التفسير انتشارًا بين المسلمين.

الطاعون الجارف في كتابه

عاش ابن كثير سنة تسع وأربعين وسبعمائة الوباء الكبير الذي عرف بالطاعون الجارف أو الموت الأسود، وسجل في «البداية والنهاية» ما شهده منه في دمشق وغيرها، وما عمّ الناس من الهلع. وقد ورد في الحديث الصحيح أن الطاعون شهادة، فروى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «الطاعون شهادة لكل مسلم». وروى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد». وبذلك أدرك المؤرخ المسلم المحنة بمنظار الصبر والاحتساب.

عناية ابن كثير بالنقد

ويلاحظ القارئ في تفسيره وتاريخه أنه كثيرًا ما يعلق على الأحاديث والأخبار بقوله: هذا حديث غريب، أو في إسناده ضعف، أو هذا منكر، وهذا من تمرسه بعلم الحديث. وقد جمع بين علم الحديث والتفسير والتاريخ في وقت واحد، فصار من القلائل الذين أتقنوا هذه العلوم الثلاثة معًا. ولهذا فإن كتبه لا تزال تُقرأ وتُطبع وتُترجم إلى اليوم.

بيان الدرجة

سيرة ابن كثير الأساسية (ولادته في مجدل، انتقاله إلى دمشق، شيوخه، تفسيره، البداية والنهاية، وفاته سنة 774 هـ) ثابتة مشهورة. أما سنة ميلاده فمختلف فيها بين 700 و701 هـ، ومحنته بسبب محبته لابن تيمية وضعف بصره في آخر عمره وأمر دفنه بجوار ابن تيمية فمروية في التراجم دون توثيق قوي. والتفسير والتاريخ ثمينان لكنهما يحتويان على روايات ضعيفة أو إسرائيليات يجب الرجوع إلى المحققين فيها.

العبرة

أصح طرق فهم القرآن هو القرآن ثم السنة ثم فهم الصحابة، ونافع العلم ما نُقل بتثبت وتمييز بين الصحيح والضعيف.

المصدر: الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني؛ شذرات الذهب لابن العماد؛ مقدمة تفسير القرآن العظيم لابن كثير؛ البداية والنهاية؛ القرآن الكريم: سورة النحل؛ صحيح البخاري: كتاب التفسير، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا (حديث أبي هريرة).

الدرجة: سيرته الأساسية ثابتة مشهورة؛ وسنة ميلاده مختلف فيها، ومحنته بسبب محبته لابن تيمية وضعف بصره وأمر دفنه روايات في التراجم دون توثيق قوي؛ وتفسيره وتاريخه نافعان لكن فيهما روايات ضعيفة تحتاج إلى مراجعة المحققين؛ والحديث المذكور في البخاري