Islamic MixIslamic Mix
‹ من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)
من التاريخ الإسلامي (القرن 4–8 هـ)مشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

شقحب سنة 702 هـ: ابن تيمية والجيش في رمضان

شيخ الإسلام ابن تيمية

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مقدمة: غزو جديد

بعد ثلاث سنوات من غزو غازان، عاد التتار إلى الشام سنة اثنتين وسبعمائة، في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، وكان قائدهم قطلوشاه ومعه جيش كبير. وتقابل الجيشان في موضع يُعرف بشقحب (مرج الصفر) جنوب دمشق، في رمضان من تلك السنة، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين. وقد روى هذه الواقعة ابن كثير في «البداية والنهاية»، والذهبي، وابن عبد الهادي، وكان ابن كثير يومئذ طفلًا لم يتجاوز السنتين من عمره، فهو ينقل عن غيره.

ابن تيمية يحرّض على الجهاد

تذكر كتب التاريخ أن الشيخ ابن تيمية خرج إلى مصر في شعبان من تلك السنة لحث السلطان على الخروج إلى الشام لمواجهة التتار، وأنه تحدث إلى السلطان والأمراء، ثم عاد مع الجيش. كما تذكر أنه كان يحضّ الناس في دمشق على الصبر والثبات، ويعدهم بالنصر. وفي ذلك روايات ينقلها المؤرخون، وبعضها قد يكون فيه مبالغة، لكن اتفقوا على حضوره ونشاطه في تحريض الجند.

فتوى الإفطار في رمضان

وقعت المعركة في رمضان، فخشي الجند من الضعف مع الصيام، فرأى الشيخ أن الفطر أقوى لهم على القتال، وأفتاهم به. ويروي تلاميذه أنه كان يمر على الصفوف فيطلب منهم الإفطار، وأنه أفطر هو أيضًا وأكل أمامهم ليقتدوا به. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لأصحابه في سفره عام الفتح: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم»، فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر. ولهذا فإن الفتوى في أصلها موافقة للسنة. ويحسن التنبيه إلى أن من العلماء من خصّ الرخصة بالسفر، وأن الشيخ رأى أن الجهاد والاستعداد للقتال سبب مستقل للفطر، وفي المسألة خلاف بين الفقهاء.

القسم والاستثناء

ومما يُروى أن الشيخ كان يقول للناس: والله إنكم لمنصورون في هذه المرة، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا. وهذه الرواية أوردها بعض المؤرخين وتلاميذ الشيخ، ولا نستطيع الجزم بها، لأنها من الروايات التي تحمل شيئًا من التعظيم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف]، والشيخ كغيره من العلماء كان يعلم أنه لا ينبغي الجزم بالمستقبل دون مشيئة، فإن صحت الرواية فمعناها التفاؤل بوعد الله لا ادعاء علم الغيب.

المعركة

التقى الجيشان في الثاني من رمضان سنة اثنتين وسبعمائة تقريبًا، واشتد القتال، وثبت المسلمون وقتل من التتار خلق كثير ثم انهزموا. وتذكر المصادر أن الخليفة العباسي الحاكم بأمر الله كان مع الجيش، وأن السلطان قاد الجيش بنفسه، وأن الأمراء قاتلوا قتالًا شديدًا. ولا نذكر أعداد القتلى لتفاوت الروايات تفاوتًا كبيرًا. وتذكر بعض الكتب أن أهل دمشق كانوا في قلق شديد، وأن الأخبار وصلت إليهم بالنصر بعد أيام، فتحول القلق إلى فرح.

فتوى قتال التتار

أفتى ابن تيمية بوجوب قتال التتار، وبيّن في رسائله وفتاواه أن إسلام التتار الظاهر لا يمنع قتالهم لأنهم لا يلتزمون بشرائع الإسلام، ويحكمون بالياسا، وشبّههم بالخوارج وبمانعي الزكاة في عهد الصديق رضي الله عنه، فهم طائفة ممتنعة عن بعض شرائع الإسلام الظاهرة. وهذه الفتوى مبسوطة في مجموع الفتاوى. وقد أشار ابن كثير في تفسيره إلى معنى قريب. ومن الإنصاف أن نقول إن بعض الباحثين المعاصرين ينقدون استدلال بعض الناس بهذه الفتوى في غير موضعها، فهي كانت في سياق غزو خارجي حقيقي، ولا يجوز استغلالها في قتال المسلمين بعضهم لبعض بغير ضابط، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء].

صوم المقاتل: مسألة فقهية

قال الله تعالى في آية الصيام: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة]. وقد جاء في تتمة رواية أبي سعيد الخدري في مسلم قوله: «ثم نزلنا منزلًا فقال رسول الله ﷺ: إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم، فكانت عزمة فأفطرنا». وهذا يدل على أن الأمر في الجهاد كان رخصة تقوية على القتال. وقد اختلف الفقهاء: فمنهم من قال لا يفطر المقاتل المقيم إلا إذا أضعفه الصوم، ومنهم من أجاز للمقاتل المقيم إذا علم أن الصوم يضعفه عن القتال. والشيخ ابن تيمية من المتوسعين في هذا الباب، وفتواه تنسجم مع مقصد حفظ النفس والدين، وهي اجتهاد مبني على الدليل، وليست حكمًا مجمعًا عليه.

أثر المعركة

كانت شقحب آخر المواجهات الكبرى بين المماليك والتتار على أرض الشام، فقد توفي غازان سنة ثلاث وسبعمائة، وضعف التتار بعده، وإن بقيت بعض المناوشات. وبهذا النصر استقر حكم المماليك في الشام، وخرجت المنطقة من الخطر الذي هددها خمسين سنة. ويذكر المؤرخون أن الناس في دمشق احتفلوا احتفالًا كبيرًا، وأن العلماء عادوا إلى دروسهم. ومن عبر ذلك أن اجتماع الحاكم والعالم والجندي والعامة على هدف واحد هو الذي يغير مجرى الأحداث.

بيان الدرجة

عودة التتار إلى الشام سنة 702 هـ والتقاؤهم بالمسلمين في شقحب في رمضان وانتصار المسلمين ثابتة مشهورة. وحضور ابن تيمية وتحريضه على الجهاد وفتواه بالفطر مشهور عند تلاميذه والمؤرخين، وأما ألفاظه في القسم والاستثناء وسفره إلى مصر وحضور الخليفة وأعداد القتلى فمتفاوتة الرواية فلا يجزم بها. وحديث الفطر عام الفتح صحيح في مسلم.

العبرة

الفتوى تراعي الحال والمقصد الشرعي وتوافق السنة، والثبات واليقين بوعد الله لا يعارضان التعليق بمشيئته.

المصدر: البداية والنهاية لابن كثير في حوادث سنة 702 هـ؛ العقود الدرية لابن عبد الهادي؛ مجموع فتاوى ابن تيمية (قتال التتار)؛ القرآن الكريم: سورة الكهف وسورة النساء؛ صحيح مسلم: كتاب الصيام، باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل (حديث أبي سعيد الخدري).

الدرجة: المعركة ونتيجتها ثابتة مشهورة؛ وحضور ابن تيمية وفتواه بالفطر مشهور عند تلاميذه والمؤرخين، وألفاظه في القسم وسفره إلى مصر وحضور الخليفة وأعداد القتلى متفاوتة فلا يجزم بها؛ وحديث الفطر عام الفتح صحيح