Islamic MixIslamic Mix
‹ الأئمة والمحدثون
الأئمة والمحدثونمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

أبو حنيفة: تاجر الخزّ الذي صار إمام أهل الرأي ورفض القضاء

الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

هو النعمان بن ثابت، من أهل الكوفة، وُلد سنة ثمانين للهجرة على المشهور، وتوفي ببغداد سنة مئة وخمسين. وأصله من أرض فارس على اختلاف بين المؤرخين في بلده الدقيق، وقد ذكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» أقوالهم ولم يقطع بشيء. وقبل أن يُعرف بالفقه عُرف بالتجارة، فقد كان يتّجر في الخزّ، وهو نوع من الثياب، وله دكان في الكوفة.

من السوق إلى حلقة العلم

يروي الخطيب في ترجمته أنه كان في أول أمره مشتغلًا بالجدل وعلم الكلام، وأنه لقي الإمام الشعبي في الكوفة، فسأله الشعبي إلى مَن يختلف، فقال: إلى السوق. فقال الشعبي: لم أعنِ الاختلاف إلى السوق، وإنما عنيتُ الاختلاف إلى العلماء. ثم نصحه أن ينظر في العلم ويجالس العلماء، لأنه يرى فيه يقظة وحركة. هذه الرواية مشهورة في كتب المناقب، وهي من الأخبار التي تُروى في ترجمته ولا يُجزم بدقة تفاصيلها، لكن الثابت في الجملة أنه ترك الكلام ولزم الفقه، وأنه لزم حمّاد بن أبي سليمان، فقيه الكوفة، سنين طويلة حتى توفي حماد سنة مئة وعشرين. ويُذكر في بعض الروايات أنه لازمه ثماني عشرة سنة، وهو عدد يتناقله المترجمون ولا يخلو من تقريب.

وأخذ أيضًا عن غير حماد، ومنهم عطاء بن أبي رباح بمكة، كما ذكر المترجمون. وأما رؤيته لبعض الصحابة، كأنس بن مالك رضي الله عنه، فقد وقع فيها خلاف بين أهل العلم، والأولى أن تُذكر على أنها قول لا قطعٌ.

الفقيه التاجر

لم يترك أبو حنيفة التجارة حين صار فقيهًا، بل جعلها سبيلًا لاستغنائه عن الناس ولبذله لهم. ومما رُوي في ذلك أنه كان يجمع أرباح تجارته على مدار السنة، فيأخذ منها حاجته ويدفع بقيتها لشيوخ العلم والمحدثين وأهل الحاجة، ويقول لهم ما معناه إن ما أعطاهم إياه ليس منه وإنما هو من فضل الله عليه. وهذا الخبر ذكره الخطيب في ترجمته من طريق بعض تلاميذه، وهو من أخبار المناقب التي يُستأنس بها ولا يُبنى عليها حكم.

وقد حفظ تلاميذه عنه مدرسة في الفقه تقوم على الاستنباط من الكتاب والسنة وأقضية الصحابة، وعلى القياس والاستحسان حيث لا نص. وأشهر تلاميذه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الذي صار قاضي القضاة في عهد هارون الرشيد، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد. وبهؤلاء انتشر المذهب في الآفاق.

منهجه في الفتوى

يُنقل عن أبي حنيفة وصف لمنهجه، ذكره ابن عبد البر والخطيب بصيغ متقاربة، معناه أنه يأخذ بكتاب الله، فإن لم يجد فبسنة رسول الله ﷺ، فإن لم يجد أخذ بقول أصحابه، يأخذ بقول من شاء منهم ويدع قول من شاء، ولا يخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى التابعين اجتهد كما اجتهدوا. وهذه الصيغة منسوبة إليه عند أصحابه، ولا أجزم بإسنادها، لكنها تلخص ما ذكره الفقهاء عن طريقته: نص ثم أثر ثم اجتهاد.

وكان من عادته أن يطرح المسألة على أصحابه ويدعهم يتناظرون فيها أيامًا، ثم يحكم فيها بعد ذلك، وهذا ما ذكره المترجمون في وصف مجلسه، فكان مجلس شورى فقهية أكثر منه مجلس إلقاء. ومن هنا نشأ كتاب المذهب مدوّنًا على أيدي تلاميذه، فلم يُعرف لأبي حنيفة كتاب فقهي في الفروع بخط يده على وجه ثابت، وما نُسب إليه من «الفقه الأكبر» فقد اختلف فيه العلماء هل هو من تأليفه أم من رواية تلاميذه عنه.

ومما يُروى عنه من وصاياه لتلاميذه كلمة ما معناها أن الفقه معرفة النفس ما لها وما عليها. وهي عبارة مشهورة تنسب إليه، وذكرها كثير من الأصوليين، ولا يعرف لها إسناد.

رفض الولاية والضرب

اشتهر عن أبي حنيفة امتناعه عن الولايات. ويروي الخطيب أن يزيد بن عمر بن هبيرة، والي العراق في أواخر الدولة الأموية، أراد أن يوليه القضاء أو أن يجعل له الإشراف على بيت المال، فأبى، فحبسه وضربه. وتختلف الروايات في عدد الضربات وفي المدة، فبعضها يذكر عشرة أسواط كل يوم حتى بلغت مئة وعشرة، وهي رواية لا أطمئن إلى تحديد عددها. ثم خلّى سبيله ابن هبيرة فخرج إلى مكة، وبقي هناك حتى انقضت دولة بني أمية.

وفي عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور تجدد الأمر، إذ عُرض عليه القضاء فامتنع. وقد رُوي أنه حُبس ببغداد وأنه مات في الحبس سنة مئة وخمسين، ورُوي أنه ضُرب، ورُوي أنه سُقي سمًّا. والذي أراه بعد النظر في الأقوال أن اتفاقهم على امتناعه عن الولاية وعلى وفاته في ذلك العام هو القدر الثابت، وأما كيفية وفاته فلا يصح فيها شيء بسند صحيح فيما وقفت عليه، فالأمانة أن يُقال: اختلفوا. وقد ذكر الخطيب أن الناس ازدحموا على جنازته حتى صُلّي عليه مرات، ودُفن في مقبرة الخيزران ببغداد.

ثناء الأئمة وتنبيه على الخلاف

نُقل عن الشافعي قوله: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. ونُقل عن عبد الله بن المبارك أنه قال: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان لكنت كسائر الناس. وهذه الأقوال رواها الخطيب والذهبي، وهي مشهورة في كتب التراجم. ونُقل عن الإمام أحمد أنه أثنى على ورعه وزهده وإيثاره الآخرة. ونُقل عن الإمام مالك، فيما رواه الخطيب وغيره، أنه ذُكر عنده أبو حنيفة فقال: رأيت رجلًا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وهي عبارة تُروى في بيان قوة حجته وسرعة بديهته، وفي سندها ما يحتاج إلى نظر.

ومن الإنصاف أن يُذكر أنه تكلّم فيه بعض أئمة الحديث من جهة ضبط الرواية، فقد رأى بعضهم أن بضاعته في الحديث قليلة بالنسبة لسعة فقهه، ومنهم من أخذ عليه التوسع في الرأي. وقد أجاب أتباعه بأن فقهه قائم على أحاديث وآثار عمل بها، وأن عمدته الكتاب والسنة ثم الآثار. والأصل أن علماء الأمة تتفاوت فيهم الأقوال، ولا يُنقص هذا من قدر إمام شهد له كثير من معاصريه بالفقه والورع.

وينسب إليه قوله إذا بلغه خلاف قوله: هذا رأيي فمن جاءنا بأحسن منه قبلناه. وهي عبارة مشهورة تنسب إليه في كتب الأصحاب، وأما التثبت في إسنادها فلم أقف عليه، فلتُذكر بهذه الصيغة.

ما تعلّمنا من سيرته

تجتمع في سيرة هذا الإمام صورة التاجر الأمين الذي لا يرتزق من العلم، والفقيه الذي يعظّم الحجة، والعالم الذي يأبى أن يكون موظفًا عند السلطان فيتحمل في سبيل ذلك السجن والأذى. وهو في الوقت نفسه إمام اختلف فيه الناس، فعظّمه أهل الرأي وانتقده بعض أهل الحديث، وهذا مما يدلنا على أن الإنصاف أن نأخذ من كل عالم ما أصاب فيه، ونذكره بالخير، ونعرض عن التعصب له أو عليه.

العبرة

الاستغناء بالكسب الحلال يحفظ للعالم استقلاله، والثبات على رفض المناصب في موضع الخوف على الدين فضيلة. وعلى طالب العلم أن يحفظ للعلماء مقامهم وإن اختلف معهم.

المصدر: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد (ترجمة النعمان بن ثابت)؛ الذهبي: سير أعلام النبلاء (ترجمة أبي حنيفة)؛ ابن حجر: تهذيب التهذيب (ترجمته).

الدرجة: سيرة مشهورة في كتب التراجم والتاريخ؛ ثابت منها وفاته ببغداد سنة 150هـ وامتناعه عن القضاء والثناء عليه في الفقه، أما سبب وفاته وعدد الضربات وتفاصيل حواره مع الشعبي فمروية بأسانيد فيها ضعف أو لا تثبت، وقد نُبّه عليها في النص.